محمد بن عبدالله آل شملان
في عالم بات يركض بسرعة جنونية نحو المستقبل، قطاراته أرقام، وقوده البيانات، وسائقه خوارزميات صامتة، يقف البشر اليوم على مفترق طرق تاريخي. هل نتحول إلى مجرد أرقام في ذاكرة الآلة، أم نمنح الآلة من روحنا وقيمنا ما يجعلها رفيقةً لا بديلة؟!
من قلب هذا التساؤل الوجودي، وتحديداً في الفترة من 14 حتى 17 سبتمبر المقبل، تفتح الرياض ذراعيها للعالم، لتستضيف أعمال النسخة الرابعة من منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026م.
هذا الحدث ليس مجرد مؤتمر تقني تُلقى فيه الخطابات، بل هو نداء إنساني دافئ تشترك في صياغته منظمة اليونسكو مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE)، وبتنسيق ينبض بالوعي من اللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم. إنه تجمع يهدف إلى شيء واحد: أن نضع «قلب الإنسان» في صدر الآلة.
إن هذا الحضور العالمي الاستثنائي للمملكة في صياغة أخلاقيات المستقبل لم يكن ليرى النور لولا الرؤية السديدة والدعم غير المحدود من مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وعرّاب الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-.
فبفضل توجيهات القيادة الرشيدة وبصيرتها الملهمة، تحولت المملكة من مواكب للتقنية إلى مخرج وموجه لها، حريصة كل الحرص على أن يمتزج هذا التطور بالقيم الإنسانية النبيلة. إن رعاية القيادة لهذا المنتدى هي رسالة حب وسلام من مهبط الوحي وموئل الأصالة إلى البشرية جمعاء، تؤكد أن التطور الحقيقي هو الذي يحمي كرامة الإنسان أولاً وأخيراً.
الرياض، هذه المدينة التي تجمع بين أصالة النخيل الشامخ وحداثة الأبراج التي تعانق السماء، لا تستضيف العالم بصفتها عاصمة للقرار السياسي والاقتصادي فحسب، بل بصفتها حضناً آمناً لمستقبل البشرية.
بين جنبات هذا المنتدى، سيلتقي الفلاسفة والعلماء وصناع القرار، لا ليتحدثوا عن سرعة المعالجات أو حجم الذاكرة السحابية، بل ليتساءلوا: كيف نحمي ضحكة طفل من أن تتحول إلى بيانات مستهدفة؟ كيف نحافظ على دفء العلاقات الإنسانية في زمن الشاشات الباردة؟ وكيف نضمن أن يظل الذكاء الاصطناعي خادماً للإنسان، يحنو على ضعفه، ويحترم تنوعه، ويسانده في رحلة إعمار الأرض؟
خلف كواليس هذا التنظيم المهيب، تقف عقول وقلوب شابة نبضت بالحب والعطاء، وسهرت لترفع اسم الوطن عالياً في محفل تقني هو الأهم عالمياً.
وهنا يمتد وافر الشكر وعظيم الامتنان لكافة القائمين على هذا المنتدى في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE)، واللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم؛ فرسان «سدايا» الذين لم يكتفوا ببناء بنية تحتية رقمية جبارة، بل سكبوا من روحهم وحرصهم لحراسة المبادئ الأخلاقية، ونقل تجربة المملكة الملهمة كرسالة طمأنينة للعالم. وعقول مركز «ICAIRE» الذين جعلوا من الرياض منارة بحثية تذكر المبرمجين خلف شاشاتهم الصامتة بأن وراء كل سطر برمجي في هناك حياة بشرية تتأثر، وأحلاماً يجب ألا تتبدد. وشعلة اللجنة الوطنية واليونسكو الذين واصلوا الليل بالنهار لمد جسور المعرفة والثقافة، وضمان ألا تغرق التكنولوجيا في جفاف الماديات، بل تظل موصولة بروح التربية والعلوم التي تغذي الوجدان البشري.
المنتدى يأتي كصرخة وعي في زمن باتت فيه الآلات تكتب وتبدع وتتخذ القرارات.
سيناقش المنتدى قضايا تلامس مخاوفنا اليومية وأشواقنا نحو غد أفضل، حيث سيناقش العدالة والإنصاف بكيف نمنع الآلة من أن ترث تحيزات البشر وأنانيتهم؟ كيف نجعلها تنظر إلى جميع البشر بعين المساواة والعدل، بلا تمييز لعرق أو لون أو ثقافة؟ وسيناقش حرمة الخصوصية بكيف نحمي أسرار بيوتنا ودموعنا ومشاعرنا، من أن تصبح مجرد بضاعة في سوق الإعلانات الرقمية؟ وسيناقش الأمان والتمكين بكيف نضمن ألا تسلب الآلة لقمة العيش من يد عامل يتصبب عرقاً، أو تحرم مبدعاً من شغف الحرفة، بل تكون سنداً يرفع من شأن الجهد البشري ويمجّده؟
إن اختيار المملكة لعنوان «نهج قوامه الإنسان» ليس شعاراً عابراً، بل هو ترجمة حية لروح رؤية السعودية 2030. الرؤية التي وضعت جودة حياة الإنسان وكرامته وسعادته في مقدمة كل مستهدفاتها. تبرهن المملكة للعالم مجدداً أن التقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد الروبوتات، بل بمدى الأمان والرفاهية التي يشعر بها الإنسان في ظلها.
حين يجتمع العالم في الرياض سبتمبر القادم بمشيئة الله تعالى، لن يصدروا مجرد وثائق قانونية جافة، بل سيصيغون «عهد شرف» يربط الآلة بقيم الحق والخير والجمال. إنها البصمة السعودية التاريخية التي ستذكر الأجيال القادمة بأن الذكاء الحقيقي لم يكن يوماً في قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري، بل في قدرة الإنسان على صون قلبه وروحه وضميره في زمن الآلة.