أ.د.عثمان بن صالح العامر
هناك حبٌّ لا يسألك ماذا أنجزت، ولا كم حصلت من الدرجات، ولا لماذا تأخرت، ولا ماذا ستصبح حين تكبر؟. يكفي أنك حفيد. إنه حب الأجداد للأحفاد؛ حبٌّ يبدو في ظاهره دلالًا وحنانًا، لكنه في عمقه أجمل المؤثرات التربوية في حياة الطفل.
الأجداد لا يحبون أحفادهم بالطريقة نفسها التي يحب بها الآباء أبناءهم. إذ إن الأب والأم يعيشان مع الابن تفاصيل يومه: مرضه، دراسته، أخطاءه، عناده، مستقبله، ومسؤولياته. ولذلك فإن حبهما غالبًا ما يمتزج بالقلق والتوجيه والتقويم والخوف من المستقبل. أما الجد والجدة فقد قطعا شوطًا طويلًا في رحلة التربية، واكتسبا من العمر والتجربة قدرًا أكبر من الهدوء؛ فيأتي حبهما للحفيد أكثر تحررًا من ضغط المسؤولية اليومية. ولهذا نجد الجد يضحك من الموقف الذي ربما أغضب الأب، والجدة تحتضن الطفل بعد أن عاتبه والداه، الجد يسمع القصة من حفيدته أو حفيده التي سمعها عشر مرات وكأنها المرة الأولى.
ليس ذلك لأن الأجداد أقل حرصًا على التربية، وإنما لأن موقعهم في الأسرة مختلف. الأب والأم يبنيان الإنسان، أما الجد والجدة فيضيفان إلى بنائه المعنى والذاكرة والانتماء. فالجد يقدم للحفيد قصة العائلة، وذكريات المكان، وأسماء الذين رحلوا، وحكايات الكفاح، وتجارب الحياة. والجدة لا تقدم له الطعام فحسب؛ بل تمنحه شعورًا بأنه ينتمي إلى بيت أكبر من البيت الذي يعيش فيه، وإلى تاريخ أوسع من عمره الصغير. ومن هنا تأتي القيمة التربوية العميقة لهذه العلاقة. لكن هذا لا يعني أن حب الأجداد دائمًا إيجابياً أو أن تدليلهم لا يمكن أن يكون له أثر سلبي. فالدراسات تؤكد أن تأثير الأجداد معقد ويتأثر بدرجة المشاركة ونوعيتها وبالسياق الأسري. وفي نفس الوقت تؤكد أن الحب الذي يفيض منهما وحده لا يكفي؛ بل يحتاج إلى توازن وتعاون مع الوالدين. ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الأجداد هو ألا ينافسوا الآباء على التربية، بل أن يكونوا سندًا لهم.
ليس من الحكمة أن يقول الجد للحفيد: “أبوك ما يفهم”، ولا أن تقول الجدة: “أمك تمنعك وأنا سأسمح لك”. لأن الطفل يحتاج أن يرى والديه وأجداده في صف واحد، حتى لو اختلفت أساليبهم.
إن أجمل علاقة بين الأجيال هي تلك التي يتكامل فيها الجميع: الأب والأم يضعان الحدود، والجد والجدة يضيفان إليها الحكمة؛ الوالدان يصنعان المستقبل، والأجداد يحفظون الذاكرة؛ الوالدان يربّيان، والأجداد يروون؛ والجميع يمنحون الطفل الشيء الأهم: شعورًا بأنه محبوب وينتمي إلى أسرة تحمله في حاضرها وتحفظه في ذاكرتها. ولذلك ربما كان من الظلم أن نصف علاقة الأجداد بالأحفاد بأنها مجرد “دلال”. إنها في كثير من الأحيان تربية من نوع آخر؛ تربية لا تقوم على الأوامر الكثيرة، وإنما على الحضور، والقصة، والقدوة، والحنان، والذاكرة. وما أجمل أن يكبر الإنسان وفي ذاكرته صوت جد يقول له: “تعال يا ولدي”، في مخيلته صلاة جده عندما كان « يقف في صفه يحاول أن يحاكيه حين ركوعه وعند سجوده», يتذكر شدة فرحه يوم وافق الجد والابتسامة تعلو محياه أن يذهب به في سيارته ليشتري من بقالة الحي، أو يد جده تمسح على رأسه، تلاعبه، تحاول أن تفهم عجاريفه حين يحاول إبلاغها ماذا يريد، لا ينسى أبداً ذلك البيت القديم الذي كان يشعر فيه أنه أهم شخص في العالم. قد يكبر الطفل ولا يتذكر كثيرًا من الألعاب التي اشتراها له جده، لكنه غالبًا لن ينسى كيف كان يشعر عندما يكون بمعيته. وهذه من بين أعظم الهدايا التي يسوقه الرب لعباده (الأجداد للأحفاد، والأحفاد للأجداد)، فالحمد لله على نعمة أحفادي الإناث والذكور، حفظ الله الجميع ويسر لهم سبل الخير والنجاح في الدارين، وإلى لقاء، والسلام.