حذامي محجوب
لنتفق بدءا، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ثورة تكنولوجية جديدة تعبر أبواب الإعلام، بل غدا زلزالا يعيد ترتيب هذا العالم من أساساته. لا يغيّر فقط طريقتنا في كتابة الأخبار وتحريرها وتوزيعها فحسب، إنما يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب الصحفي والقارئ المتلقي، يضع النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه المؤسسات الإعلامية لعقود أمام اختبار غير مسبوق.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل في قطاع الإعلام؟
بل هو: ماذا سيبقى من الصحافة ومن الإعلام إذا أصبح القارئ نفسه، قادرا على الحصول على الخبر وتحليله وخلاصته من الآلة، من دون أن يحتاج للصحفي او يضطر إلى زيارة الموقع الذي أنتج المادة الأصلية نفسها؟.
هنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية.
فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بإنتاج محتوى جديد، وإنما يستطيع أن يقرأ آلاف المواد التي أنتجها صحفيون ومؤسسات بكلفة وجهد كبيرين، ثم يجمعها ويعيد تركيبها في إجابة واحدة، سريعة ومختصرة وجاهزة للاستهلاك.
هكذا يصبح الخطر أكبر من مجرد منافسة تقنية.
قد تتحول الصحافة من منتج يقصده القارئ إلى مادة خام تتغذى عليها الخوارزميات.
لعل التحول الذي يقوده غوغل يقدم أحد أوضح الأمثلة على كل ذلك.
في 22 يوليو 2026، أطلقت الشركة في فرنسا خدمة «AI Overviews»، أو «ملخصات الذكاء الاصطناعي»، بعد توسيع نطاق إتاحتها إلى أكثر من 200 دولة.
تقدم هذه الخدمة خلاصة مولدة بالذكاء الاصطناعي في أعلى صفحة نتائج البحث، قبل الروابط التقليدية، بحيث يحصل المستخدم على إجابة مركبة عن سؤاله من دون أن يكون مضطرا بالضرورة إلى فتح المواقع التي جاءت منها المعلومات.
لنتخيل مثلا أن شخصا يبحث عن «الحرب التجارية»
في النموذج التقليدي، يحصل على مجموعة من الروابط والمقالات، فيختار منها ما يريد، ويدخل إلى موقع الصحفي، ويقرأ المادة وسياقها وتفاصيلها وتحليلها.
أما في النموذج الجديد، تقدم له الخوارزمية مباشرة تعريفا بالحرب التجارية، وأسبابها، ودوافعها، وأطرافها، وحتى أبرز تطوراتها، ثم تضع في الأسفل بعض الروابط إلى المصادر.
بالنسبة إلى المستخدم، هذه تجربة أسرع وأكثر راحة.
أما بالنسبة إلى الصحفي والمؤسسة الإعلامية، فالسؤال قاتل في بساطته:
إذا حصل القارئ على الإجابة التي يريدها داخل غوغل، فلماذا سيتجه إلى المصدر أو سيضغط على الرابط؟.
هنا تظهر المفارقة الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي: الآلة تحتاج إلى الصحافة كي تعرف، لكنها قد تجعل القارئ أقل حاجة إلى الذهاب إلى الصحافة نفسها.
أظهرت دراسة لمركز «بيو» للأبحاث أن ظهور الخلاصة المولدة بالذكاء الاصطناعي في نتائج البحث يرتبط بانخفاض واضح في النقر على الروابط التقليدية.
ففي العينة التي درستها المؤسسة، تراجعت نسبة النقر على الروابط من 15 في المائة عندما لا تظهر الخلاصة إلى 8 في المائة عندما تظهر، بينما ظلت النقرات على الروابط الموجودة داخل ملخص الذكاء الاصطناعي نفسه محدودة للغاية.
قد يبدو الرقم صغيرا لمن ينظر إليه من خارج صناعة الإعلام.
لكنه داخل اقتصاد هذا الإعلام فانه رقم ضخم.
فالخبر لا يولد من فراغ.
فوراء كل تحقيق صحفي ساعات من العمل والبحث والتدقيق، ومصادر تحتاج إلى بناء الثقة، وصحفيون ينزلون إلى الميدان، ومحررون يدققون ويصوغون، ومصورون، ومراجعون، وتقنيون، ومؤسسات تتحمل تكاليف الإنتاج والنشر والتوزيع.
إذا أخذت الخوارزميات هذه المادة، ثم أعادت تقديمها إلى الجمهور من دون أن تدفعه إلى المصدر الأصلي، فإن المؤسسة الإعلامية قد تخسر مرتين: تخسر القارئ، ثم تخسر الإعلان والاشتراك والإيراد الذي يأتي معه.
هكذا تتحول بوابة الإعلام القديمة، أي محركات البحث، إلى وسيط جديد ينافس المؤسسات الإعلامية على أغلى ما تملك: علاقتها وصلتها بالجمهور.
لكن المشكلة لا تتوقف عند غوغل.
فمع انتشار «تشات جي بي تي» وغيره من روبوتات المحادثة، يتغير سلوك المستخدم نفسه.
لم يعد السؤال دائما: «أين أعثر على الخبر؟»، إنما أصبح أكثر فأكثر: «لماذا أبحث عنه إذا كان بإمكان الآلة أن تخبرني به الآن؟».
هذا ليس ثورة وتحولا في التكنولوجيا فقط، بل نقلة كبيرة في عادات المعرفة.
القارئ الذي كان يدخل إلى الموقع، يقرأ العنوان، ثم التفاصيل، ثم الخلفية، ثم التحليل، قد يصبح أكثر ميلا إلى إجابة قصيرة تختصر له كل ذلك في ثوان. بالنسبة إليه، إنها ما يبحث عنه: أقل جهد.
أما بالنسبة إلى الصحافة، فهي معضلة وجودية.
لأن السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحا هو: إذا لم يعد القارئ يصل إلى المادة الأصلية، فمن سيمول إنتاجها؟.
الأزمة تأتي أيضا في لحظة لا تدخل فيها الصحافة عالم الذكاء الاصطناعي وهي في أفضل حالاتها الاقتصادية.
فالمؤسسات الإعلامية عاشت سنوات طويلة من التحول الرقمي، وتراجعت بعض مصادر إيراداتها، وانتقلت نسبة كبيرة من الجمهور والإعلانات إلى المنصات الرقمية.
والآن يأتي الذكاء الاصطناعي ليعيد توزيع القيمة مرة أخرى. الصحفي ينتج المعلومة. الذكاء الاصطناعي يعيد تركيبها. والمنصة هي من تملك الطريق إلى الجمهور.
من هنا تبدأ المعركة الحقيقية على «القيمة» في اقتصاد المعلومات.
لكن الذكاء الاصطناعي لا يقف خارج غرفة الأخبار. إنه يدخل إليها أيضا. انه يستطيع كتابة المسودات، واقتراح العناوين، وتلخيص النصوص، وتصحيحها وترجمتها، وتحليل البيانات، والمساعدة في إعداد السيناريوهات، بل والمساهمة في إنتاج الصور والفيديوهات.
هذا يعني أن المؤسسات الإعلامية لن تستطيع التعامل معه باعتباره مجرد أداة إضافية، بل ستضطر إلى إعادة التفكير في شكل غرفة الأخبار نفسها.
ومع ذلك، فإن اختزال القضية في سؤال «هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي؟» قد يكون سؤالا خاطئا.
السؤال الأخطر والأهم هو: ما الذي تستطيع الآلة أن تفعله، وما الذي لا يزال الإنسان وحده قادرا على القيام به؟.
الآلة تستطيع قراءة ملايين البيانات خلال لحظات، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن الخبر.
لا تستطيع أن تحل محل الصحفي في بناء علاقاته مع المصادر، أو النزول إلى الميدان، أو فهم التعقيدات السياسية والاجتماعية، أو مساءلة المسؤولين، أو اكتشاف ما يحاول البعض إخفاءه، أو اتخاذ القرار المهني بشأن ما يستحق النشر وما لا يستحقه.
ان الصحافة ليست مجرد نقل معلومات. هي مسؤولية. وهذه نقطة مهمة لا تزال الآلة عاجزة عن حملها. لكن الخطر يظهر عندما تنظر المؤسسات التي تعاني أوضاع مالية صعبة إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أقرب وأسهل وسيلة لتقليص عدد العاملين وتكاليف الإنتاج، لا باعتباره أداة لتعزيز العمل الصحفي.
عندها فقط، قد تختفي بعض الوظائف التقليدية، بينما تظهر وظائف جديدة مرتبطة بإدارة أدوات الذكاء الاصطناعي ومراقبتها والتحقق من إنتاجها.
والأخطر هو احتمال انتشار مواقع تقدم نفسها للجمهور باعتبارها مؤسسات إخبارية، بينما تنتج جانبا كبيرا من محتواها آليا، بما في ذلك مواد أعيدت صياغتها من مصادر صحفية أخرى.
هنا يمكن أن يمتلئ الفضاء الرقمي بمحتوى يشبه الصحافة في شكله، لكنه يفتقد روحها وجوهرها: المصدر، والتحقق، والسياق، والمسؤولية.
ومن هنا نصل إلى أخطر كلمة في هذه المعركة كلها: الآمانة. فالذكاء الاصطناعي جعل إنتاج الصور والفيديوهات المفبركة أسهل، وساهم في انتشار «التزييف العميق»، والمواقع الوهمية، والشائعات، وحملات التضليل.
لكن المشكلة الأكبر والأكثر خطورة ليست دائما في الكذبة الواضحة.
إنها في أن تقدم الآلة معلومة صحيحة إلى جانب تفسير خاطئ أو ادعاء مختلق، داخل إجابة واحدة مكتوبة بلغة متماسكة ونبرة قوية واثقة.
إن أسلوب الآلة قد يمنح الخطأ سلطة لا يستحقها.
أظهرت أبحاث حول «AI Overviews» أن بعض الإجابات تضمنت ادعاءات لم تكن مدعومة بصورة كافية بالصفحات التي استشهدت بها، وهو ما يكشف مشكلة جوهرية: وجود رابط إلى مصدر لا يعني بالضرورة أن كل ما ورد في الإجابة يعكس ذلك المصدر بدقة.
وهنا يصبح الخطر مضاعفا.
لأن المصدر الأصلي قد يختفي خلف الإجابة النهائية.
بدلا من أن يعرف القارئ من أنتج المعلومة، وأين نشرت، وما السياق الذي وردت فيه، ومن يتحمل مسؤوليتها، يحصل على خلاصة جاهزة. وعندما يصبح المصدر غير مرئي، يصبح التحقق أصعب.
وعندما يصبح التحقق أصعب، يصبح تصحيح الخطأ مشكلة وأكثر تعقيدا.
ومن هنا يمكن أن تبرز أزمة ثقة أكبر: إذا أصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والزيف، فقد يصل المستخدم في النهاية إلى الاعتقاد بأن كل المصادر متساوية، وأن لا شيء يستحق الثقة الكاملة.
وهذه ليست مشكلة إعلامية فحسب.
إنها مشكلة تمس المجتمع والدولة والمجال العام بأكمله.
فالديمقراطيات والمجتمعات الحديثة تحتاج إلى مصادر معلومات مستقلة وقابلة للتحقق، حتى يستطيع الناس اتخاذ قرارات صائبة وواعية، ومساءلة السلطة، ومناقشة القضايا العامة على أساس من الحقائق.
لكن هناك خطرا آخر أكثر هدوءا، وربما أكثر عمقا. إنه خطر توحيد المعرفة نفسها.
إذا كان ملايين المستخدمين يطرحون الأسئلة نفسها على عدد محدود من أدوات الذكاء الاصطناعي، وإذا كانت هذه الأدوات تعتمد باستمرار على مجموعة محدودة من المصادر، فقد يبدأ العالم تدريجيا في تلقي إجابات متشابهة.
وهنا قد تخسر الصحافة المحلية والمتخصصة جزءا من حضورها.
وقد تختفي أصوات المجتمعات الصغيرة والثقافات المختلفة خلف المصادر الأكبر والأكثر قدرة على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى، وعلى التفاوض مع شركات التكنولوجيا، وعلى الظهور في واجهات الخوارزميات.
ومن هنا يظهر سؤال يتجاوز الإعلام إلى السيادة المعرفية: من يملك حق الظهور داخل الإجابة التي تصوغها الخوارزمية؟.
ومن يملك القدرة على التأثير في المعلومات التي تصل إلى الجمهور؟.
إذا أصبحت هذه الخوارزميات البوابة الرئيسية إلى المعرفة، فإن التأثير فيها قد يصبح أهم من امتلاك الصفحة الأولى في صحيفة أو حتى الموقع الأكثر زيارة.
ولهذا بدأت مؤسسات إعلامية كبرى في أنحاء العالم التفاوض مع شركات التكنولوجيا للحصول على مقابل مالي لقاء استخدام محتوياتها.
وقد أبرمت مؤسسات اتفاقات مع شركات مثل OpenAI وApple وMeta وMistral وPerplexity، في محاولة لحماية حقوقها والحصول على جزء من القيمة الاقتصادية التي تولدها موادها.
وفي المقابل، دخلت مؤسسات أخرى في نزاعات قضائية حول حدود استخدام المحتوى الصحفي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو إنتاج الإجابات.
لكن هذه المعركة تكشف مشكلة أخرى.
فالمؤسسة الإعلامية تفاوض في كثير من الأحيان منفردة أمام شركات تملك قوة مالية كبيرة وتقنية هائلة.
المؤسسات الكبرى قد تستطيع انتزاع شروط أفضل. أما المؤسسات الصغيرة، والصحف المحلية، والمواقع المستقلة، فقد تجد نفسها في موقع تفاوضي أكثر هشاشة.
لذلك فإن القضية ليست مجرد الحصول على تعويض مالي مقابل استخدام مقال أو تقرير.
إن القضية أعمق: من سيمتلك القيمة التي تنتجها الصحافة؟.
هل ستبقى القيمة لدى المؤسسة التي تجمع المعلومات وتتحقق منها وتتحمل مسؤوليتها؟.
أم ستنتقل تدريجيا إلى الشركات التي تملك الخوارزميات والمنصات التي تعيد توزيع تلك المعلومات؟.
ليس من الواقعي أن نتخيل عالما يتوقف فيه الذكاء الاصطناعي.
لقد أدخل التكنولوجيا إلى حياتنا، وسيعظم دوره ويزداد حضوره، والإعلام نفسه يستطيع أن يستفيد منه في البحث والتحليل وتدقيق البيانات والترجمة وتسريع الإنتاج.
لذلك ليست المعركة حربا على التكنولوجيا.
المعركة الحقيقية هي من أجل قواعد عادلة للتعايش معها.
قواعد تحمي حقوق المحتوى.
وتفرض شفافية بشأن مصادر المعلومات.
وتضمن للقارئ حق الوصول إلى المصدر الأصلي. وتحارب التضليل. وتحمي التعددية الإعلامية. وتوفر نموذجا اقتصاديا يسمح للصحافة المهنية بالبقاء.
لأن الصحافة إذا تحولت إلى مجرد مخزن مفتوح للمعلومات، تتغذى منه الخوارزميات، بينما يتحمل الصحفي والمؤسسة وحدهما تكلفة جمع المعلومات والتحقق منها وإنتاجها، فإننا لن نكون أمام تحول تكنولوجي فحسب. بل سنكون أمام اختلال في ميزان القوة داخل اقتصاد المعرفة.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب الأخبار؟.
فالجواب أصبح بيّنا وواضحا: نعم.
لكن يبقى السؤال الاهم والأخطر هو: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على تقديم الأخبار، فمن سيدفع ثمن الصحفي الذي يجمعها ويتحقق منها؟
لأن انهيار اقتصاد الصحافة لن يعني اختفاء بعض المواقع أو فقدان بعض الوظائف فقط.
قد يعني أمرا أعمق بكثير: أن تتراجع قدرة المجتمعات على الوصول إلى معلومات أصلية ومتنوعة وقابلة للتحقق.
أن تضيق مساحة الصحافة المستقلة.
أن تصبح الحقيقة أكثر اعتمادا على الخوارزمية وأقل ارتباطا بالمصدر.
وأن يتحول الصحفي، الذي كان يوما بوابة المجتمع إلى الحقيقة، إلى مجرد منتج للمادة الخام التي تعيد الآلة تشكيلها وتوزيعها.
لهذا فإن تنظيم العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإعلام لم يعد نقاشاً تقنيا هامشيا.
إنه معركة على مستقبل الإعلام والصحافة.
وعلى حق المواطن في المعرفة.
وعلى التعددية.
وعلى استقلال المجال العام.
وربما، قبل كل ذلك، على سؤال سيحدد شكل وطبيعة العالم الذي سنعيش فيه خلال السنوات المقبلة: من يملك المعلومة؟ ومن يملك القدرة على تشكيلها؟ ومن يملك الخوارزمية التي تقرر أي حقيقة تصل إلينا أولا؟.