ناصر بن فريوان الشراري
في عالم السياسة والصراعات الممتدة، ليست الجريمة الكبرى فقط في إشعال الحروب، بل في التزييف الممنهج لوعي الشعوب، لسنوات طويلة، اقتادت الجماعة الحوثية آلاف الشباب في اليمن نحو محارق الموت تحت لافتات براقة وشعارات عريضة، زلزلت الفضاء بإعلامها عن «الصرخة»، و«الموت لأمريكا»، و«وحدة الساحات»، و«مواجهة الاستكبار العالمي»، غير أن تحولات المشهد الأخير جاءت لتضع كل هذه الأدبيات المزعومة أمام اختبار الحقيقة، فتبخرت الشعارات الكبرى، وانكشفت المسافة الشاسعة بين «الظاهرة الصوتية» و«الواقع الميداني».
حين تصل الأمور إلى المحك، وتتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بشكل مباشر، تظهر الحقيقة الجلية: الشعارات الرنانة لم تكن يوماً مبدأً راسخاً، بل كانت مجرد تكتيك للتعبئة والحشد الداخلي، إن تقديم خطابات الوداعة والتطمينات للقوى الدولية، في الوقت الذي تُوجَّه فيه السهام والتهديدات نحو الجوار العربي وقلب العالم الإسلامي (المملكة العربية السعودية)، يكشف بوضوح أن بوصلة الجماعة لم تكن يوماً متجهة نحو القضايا الكبرى، بل كانت دائماً وستظل أداة وظيفية تتلقى توجيهاتها من طهران لتفكيك الاستقرار العربي.
والاستعراضات الميدانية والقرارات الفجائية التي تتخذها الجماعة تحت مظلة «المقاومة» تكشف عن نمط رخيص من المغامرات الصبيانية والبحث عن البطولة الإعلامية (الترند)، يُدار المشهد بمنطق العلاقات العامة والاستثمار السياسي، إذ تُصنع الأزمات وتُجلب التوترات إلى المنطقة لخدمة أهداف ضيقة، دون أدنى حساب للتكلفة البشرية والاقتصادية، فالشعارات الكبيرة بالنسبة لقيادات الكهوف والمقرات الآمنة لا تكلف شيئاً، لكنها تكلف البسطاء أرواحهم ومستقبل أبنائهم.
في مقابل هذه المغامرات المراهقة، تقف المملكة العربية السعودية بوزنها الثقافي والسياسي والعسكري الحاسم، لقد صبرت المملكة طويلاً، وتتحلى بالصبر الحكيم والمسؤولية العظمى تجاه أمن المنطقة وسعادة الشعب اليمني الشقيق، مغلّبةً لغة الحكمة ودواعي الاستقرار وإعادة الإعمار.
غير أن هذا الصبر والتروي ليس ناتجاً عن عجز أو قلة حيلة، فالجميع يعلم أن المملكة بفضل قدراتها العسكرية الذاتية، ومكانتها السياسية، وثقلها الإقليمي قادرة تماماً على القضاء الناجز على هذه الجماعة الوظيفية وإنهاء عبثها في أي لحظة تُفرض فيها خيارات الحسم النهائي، إن حكمة القيادة السعودية هي التي تزن الأمور بميزان مصلحة الأمة، ولا تنجرّ وراء الاستفزازات العابرة التي تسعى طهران عبر أدواتها إلى جر المنطقة إليها.
وفي قلب هذه التناقضات، يقف الشعب اليمني الشقيق كضحية مضاعفة:
اقتصادياً: دفع ثمن العداء الدولي والعزلة وتوقف شريان الحياة والانقطاع التام للخدمات والمرتبات.
سياسياً: صُودر قراره الوطني التاريخي لصالح مشاريع عابرة للحدود تجعل من اليمن ساحة لتصفية الحسابات ورسائل صندوق البريد.
لقد تحول اليمن الحبيب إلى منصة إطلاق للتهديدات وصندوق رسائل مشفرة، بينما يغرق المواطن اليمني في أزمات معيشية طاحنة فرضتها هذه المغامرات التي لا يجني منها اليمنيون سوى الفقر والدمار.
وخلاصة القول:إن التناقض الصارخ بين ما تقوله الجماعة وما تفارقه وتفعله ليس مجرد زلة لسان أو مناورة سياسية، بل هو سقوط أخلاقي وسياسي مكتمل الأركان، تكشف الأيام متتابعة أن الاستثمار في شعارات العداء الخارجي ليس سوى قناع لستر العداء الحقيقي لاستقرار المنطقة وأمن بلاد الحرمين الشريفين، وستظل الحقيقة الثابتة هي أن الأمن القومي العربي والحكمة السعودية هما الصخرة الصلبة التي تتهاوى عليها كل المغامرات الصبيانية والشعارات الزائفة، ويبقى الرهان الحقيقي على استعادة اليمن لعافيته وعروبته وإرادة شعبه المسلوبة.