د. عبدالحكيم فهد السنان
يعد المرصد العربي للترجمة إحدى المبادرات الثقافية الرائدة التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، تحت مظلة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، في إطار جهد عربي مشترك يهدف إلى بناء منظومة معرفية حديثة في مجال الترجمة ودراساتها، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي والبحثي العربي.
كانت المملكة العربية السعودية رائدة في إطلاق هذه المبادرة النوعية، إذ صدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على مذكرة التفاهم بين وزارة الثقافة والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لإطلاق المرصد. وجاء ذلك تتويجًا لتوجيه صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة، الذي أولى المشروع اهتمامًا كبيرًا، ووجه بدراسة متطلباته ومراحل بنائه، وتابع خطوات تأسيسه، حتى أصبح المرصد اليوم بيت خبرة ومشروعًا معرفيًا عربيًا طموحًا.
وجاءت الانطلاقة الرسمية للمرصد خلال المؤتمر العام للألكسو، لتجسد رؤية عربية مشتركة نحو إنشاء منصة متخصصة تُعنى برصد حركة الترجمة وتوثيقها وتحليل اتجاهاتها. فالترجمة لم تكن يومًا نشاطًا لغويًا محضًا، وإنما جسرًا حضاريًا تنتقل عبره العلوم والأفكار والتجارب الإنسانية، وأداة تمكن الأمم من الانفتاح على الآخر والمشاركة في إنتاج المعرفة وتداولها.
ومن هذا المنطلق، عمل المرصد على إنشاء ببليوغرافيا عربية موحدة تضم اليوم أكثر من 115 ألف عنوان لكتاب مترجم من العربية وإليها، لتشكل قاعدة معرفية متنامية تتيح للباحثين ودور النشر وصناع القرار التعرف على حركة الترجمة واتجاهاتها واستقصاء فجواتها. فالببليوغرافيا لا تمثل مجرد أرشفة للكتب، وإنما أساسًا معرفيًا يمكن الانطلاق منه لفهم واقع الترجمة العربية وتخطيط مستقبلها.
كما أطلق المرصد خدمة التقارير والإحصائيات، التي تقدم بيانات وتقارير محدثة حول حالة قطاع الترجمة العربي واتجاهاته، ويجري تطويرها بصورة مستمرة لتوفير مؤشرات معرفية تساعد الباحثين والمؤسسات وصناع القرار على قراءة واقع القطاع وتحولاته، وتحويل البيانات المتراكمة إلى معرفة قابلة للتحليل والاستفادة.
وامتد دور المرصد إلى دعم البحث العلمي من خلال منح الدراسات والأبحاث، عبر برنامج يستهدف تقديم 100 منحة سنويًا، وقد وصل حتى الآن إلى مرحلته الرابعة، وتجاوز إجمالي المنح المقدمة خلال مراحله الأربع 400 منحة بحثية، فيما تجاوز عدد طلبات التقدم 1,200 طلب، في مؤشر على الاهتمام المتنامي بالبحث العلمي في مجال الترجمة ودراساتها.
ومع تشرفي بتولي مهمة الإشراف على المرصد العربي للترجمة، أرى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تمثل انتقالًا من التوثيق إلى التأثير، ومن جمع البيانات إلى صناعة المعرفة؛ من خلال تطوير أدوات التحليل، وتعزيز البحث العلمي، وبناء شراكات فاعلة مع الجامعات والمؤسسات الثقافية ودور النشر، بما يجعل المرصد مرجعًا عربيًا وبيت خبرة يسهم في تطوير السياسات والمبادرات المرتبطة بالترجمة.
إن القيمة الحقيقية للمرصد العربي للترجمة لا تقاس فقط بما راكمه من عناوين وبيانات ودراسات، وإنما بقدرته على تحويل هذا الرصيد إلى معرفة تسهم في فهم واقع الترجمة العربية وتوجيه مستقبلها. والطموح أن يصبح المرصد منصة تستشرف التحولات، وتكشف الفجوات، وتقترح الأولويات، وتربط بين الباحث والناشر وصانع القرار؛ ليكون للترجمة العربية حضور أكثر تأثيرًا في حركة المعرفة العالمية. فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة رصد ما يُترجم فحسب، بل مرحلة الإسهام في الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: ماذا ينبغي أن نترجم، ولماذا، وكيف يمكن للترجمة أن تصنع أثرًا معرفيًا وحضاريًا مستدامًا؟
** **
- المشرف على المرصد العربي للترجمة