منصور بن صالح العُمري
أخطرُ الهوى ما جاءك في ثوبٍ تحبّه؛ فلا يأمرك بالسقوط دفعةً واحدة، ولكنه يزيّن الخطوة، ثم يهوّن التي بعدها، حتى يألف القلبُ ما كان يستوحشه، ويعتذر لنفسه عمّا كان بالأمس يستغفر الله منه.
والنفسُ إذا أُعطيت كلَّ ما اشتهت لم تشبع، وإنما اتّسع جوعها؛ فما إن تبلغ أمنيةً حتى تفتح باب أخرى. ومن هنا كانت مجاهدتها نجاةً لا حرمانًا، وكان منعها أحيانًا عينَ الرحمة بها؛ كيدٍ حانيةٍ تمنع صاحبها من طريقٍ يراه قريبًا، وهي تعلم أن وراء منعطفه هاوية.
وكم أوجز النبي- صلى الله عليه وسلم- الطريقين حين قال: «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني»؛ فهذا قاد نفسه إلى ما ينفعها وإن كرهت، وذاك ترك لها زمامها حتى قادته إلى ما يضرّه وإن أحب، وكلاهما يسمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النارُ بالشهوات»؛ غير أن أحدهما صبر على مرارة الطريق حتى بلغ حلاوة المآل، والآخر استلذَّ الطريق حتى أفضى به إلى مرارة العاقبة.
فلا تغترَّ بلذّة المعصية حين تُقبل؛ وانظر إليها حين تُدبر، فقد تمضي لذّتُها في لحظات، ويبقى في القلب منها ما يحتاج إلى طويل استغفار. وطوبى لمن وقف بينه وبين هواه خوفُ مقامه بين يدي الله؛ فترك محبوبًا يفنى، ابتغاء محبوبٍ لا يفنى.
وهنا يأتي وعد الله كأنما هو الجائزة بعد معركة النفس: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.