د. ياسين علي محمد عزي
جرت العادة أن ندرك محطات يومنا منذ لحظة استيقاظنا، لكن قلّما نفكر في اللحظة التي ينبغي أن ينتهي يومنا عندها. نستيقظ لصلاة الفجر، ونعرف مواعيد العمل واجتماعاته وتسليم مهامه، ونفسح في الوقت مكانًا للزيارات العائلية والمناسبات، فيما تتوزع بين ذلك تفاصيل صغيرة تبحث لنفسها عن نصيب في أزمنة يومنا. ومع كل هذا الحرص على تنظيم اليوم، يظل موعد واحد غالبًا خارج أسئلة الساعة: متى ينتهي يومنا؟
نحسن ترتيب البدايات، ثم نترك النهاية سائبة. يعود العمل معنا إلى البيت وينازع أهله نصيبهم، وتستدرجنا أخبار لا تضيف إلى معرفتنا، ويجر حديث عابر حديثًا آخر، وقد نقبل موعدًا متأخرًا كأن الليل فائض من الزمن لا صاحب له. وحينئذ لا يكون السهر محض اختيار، بل يصبح أحيانًا حصيلة يوم عرفنا كيف نفتتحه، ولم نتعلم بالقدر نفسه كيف نضع له حدًا.
من هنا استوقفتني العبارة التي اعتاد الدكتور عبدالله الغذامي أن يكتبها في حسابه بمنصة «إكس»: «التاسعة.. تحياتي». كلمات قليلة، لكنها تحمل في بساطتها موقفًا كاملًا من الزمن؛ فهو لا يخبرنا بموعد نومه بقدر ما يقول إن ليومه حدًا، وإن الليل ليس بقيةً مهملة من النهار، وإن ما لم يُنجز اليوم يستطيع أن ينتظر إلى الغد.
حين نتأمل حالنا نجد أننا نجيد دخول معتركات الحياة اليومية: نكتب، ونجيب، ونشارك، ونتفاعل، ونظهر في أكثر من موضع في اللحظة ذاتها. أما الخروج منها فليس بالسهولة نفسها؛ حتى صار بعضنا بحاجة إلى قرار يضبط به ساعة مغادرته ضجيج عالم يعرف جيدًا كيف يستدعيه، لكنه لن يقول له يومًا: لقد اكتفيت منك.
لا يمكن اختزال «تاسعة الغذامي» في رقم يصلح للجميع؛ فقد تلائم بعض الناس ولا تلائم آخرين، وتتباين مواعيد النوم باختلاف الأعمار، والمهن، والبيوت، والطبائع. الذي يلفتني فيها وجود ساعة حسم، وقت معلوم ينتهي عنده التفاوض مع مطالب اليوم. فالوقت الذي لا تُرسم له نهاية لا يصبح أوسع، وإنما تختلط حقوقه؛ يدخل العمل في حق الأسرة، وتجد الأخبار لنفسها موضعًا في وقت الراحة، ويستولي حضور الآخرين على ساعة كانت النفس وهدوؤها أولى بها، حتى تتشابه الساعات فلا يعود لكل واحدة منها معناها الخاص.
ومن هنا لا يبدو النوم هامشًا صحيًا في الحياة، ولا مجرد رقم تخبرنا به ساعة ذكية فور استيقاظنا. إنه يقول شيئًا عن علاقتنا بالزمن نفسه: هل اليوم وحدة لها مستهل ومنته، أم مساحة مفتوحة تتقدم إليها الأشياء حتى تبلغ الجسد المنهك؟ وهل الراحة حق أصيل في بناء الحياة، أم ما يتبقى لنا بعدما تأخذ الأعمال والأخبار والناس والمنصات حاجتها؟
عاش البشر قرونًا داخل زمن تصنع الطبيعة كثيرًا من حدوده من خارج إرادتهم. كان الغروب يبدل هيئة الطريق، ويخفف حركة الأسواق، ويحد من الأعمال التي يمكن أن تستمر. ولم يكن الليل رحيمًا دائمًا؛ عرف الناس فيه البرد والخوف، والمرض، والحرب، والأرق. لكن للظلام سلطانًا لم يكن يسهل تجاوزه، ولم يكن بمقدور الإنسان أن يحمل النهار كله، بأسواقه وأشغاله وضجيجه، إلى فراشه.
قبل عصرنا الحديث، لم يكن الليل والنهار يُقسمان وفق ساعةٍ صارمة بقدر ما كانا ينتظمان مع إيقاع الحياة نفسها؛ فالصلوات الخمس توزّع اليوم على مواقيت معلومة، وحرارة النهار تؤثر في أوقات الحركة والسكون، فيما تحدد أعمال الناس وشؤون أسرهم متى يبدأ الكدح ومتى تخف وطأته. لذلك كانت بيوت كثيرة تهدأ بعد العشاء، قد يستيقظ المرء في أثناء الليل لعبادة أو حاجة، ثم ينهض قبل الفجر للصلاة أو استعدادًا لرزقه، بينما تجد القيلولة مكانها في نهار يشتد فيه الحر. لم تكن الراحة، بهذا المعنى، زمنًا مقتطعًا من الحياة، بل جزءًا من انتظامها؛ إذ لم تُعامل ساعات اليوم كما لو كانت متساوية في قدرتها على العمل والعطاء، وإنما كان لكل وقت ما يلائمه من رزق، وأهل، وعبادة، وراحة. وربما كان الفرق الأعمق بين ذلك الإيقاع وإيقاعنا اليوم أن الإنسان لم يكن مطالبًا بأن يظل متاحًا على مدار الوقت.
كان للنوم داخل البيت معنى إنساني عميق لا تقيسه عقارب الساعة. كان الطفل يعود من لعبه على صوت أمه وهي تناديه، وربما وعدته بما يحب أو لوّحت بحرمانه منه، في زمن لم تكن فيه رفاهية الخيارات التي ينعم بها طفل اليوم. وكان الرضيع يغمض عينيه على هدهدة وأهازيج حملتها الذاكرة الشعبية، فإذا نام سكن شيء من البيت، وخف أهل الدار حركتهم من حوله. كان النوم شأنًا تشترك فيه العائلة والمكان والإيمان، قبل أن تدخل في هندسته متغيرات يوم معاصر لا يكاد ينام.
لم تكن صلة النوم بطريقة العيش مقصورة على بيئتنا. فتاريخ الليل نفسه يحتفظ بصور مختلفة لما اعتاده الإنسان نومًا وراحة؛ وقد أمضى المؤرخ الأمريكي روجر إكيرش سنوات يتتبع تلك الصور في مصادر سبقت العصر الصناعي، فعثر على إشارات متكررة إلى ما عُرف بـ«النوم الأول» و«النوم الثاني». كان النوم المجزأ مألوفًا في قطاعات من المجتمعات الأوروبية؛ ينام الناس أول الليل، ثم يستيقظ بعضهم بين النومتين للصلاة أو الحديث أو القراءة أو قضاء شأن من شؤون البيت، قبل أن يعودوا إلى فراشهم.
ليست هذه الشواهد دعوة إلى استعادة زمن مضى؛ لكنها تضع ما نظنه اليوم بديهيًا موضع تساؤل مهم: إذا كان الإنسان قد غيّر عبر الأزمنة طريقته في النوم، فكم مما نسميه اليوم «طبيعيًا» كتبه الجسد، وكم منه كتبته الحياة التي أقمناها حوله؟
فما نعدّه «طبيعيًا» في نومنا ليس صوت الجسد وحده، بل ثمرة حياة كاملة تشارك في تشكيله؛ شيء من الدين والمناخ، إلى العمل والضوء وإيقاع المدينة ومواعيد الدراسة وغيرها الكثير. ولهذا لا تبدو «الثماني ساعات المتصلة» حقيقة أزلية بقدر ما هي صيغة حديثة لتنظيم النوم؛ ليست وهمًا ينبغي هدمه، ولا قاعدة واحدة تصلح لكل زمان ومكان. فالنوم الكافي لا يُقاس بعدد الساعات وحده، بل بانتظامه وتوقيته وجودته، وبمدى ملاءمته لحاجة الجسد وحياة صاحبه.
مع المجتمع الصناعي تغيرت علاقة الإنسان بليله؛ فحين صار العمل يبدأ في ساعة معلومة، كان على النوم أن يراعي صباحًا لا ينتظر المتأخرين. ثم جاءت الكهرباء فخففت سلطان الغروب، ومنحت المدينة حياة أخرى لا تنتهي، حتى جاء الاتصال الرقمي فبلغ ما لم تبلغه الكهرباء نفسها: حمل العمل والأخبار والناس معنا إلى البيت، وجعل الوصول إلينا ممكنًا في ساعة كان يفترض أن تكون لنا.
منذ ذلك الحين، لم يعد الغروب كافيًا ليقول إن اليوم قد انتهى. قد يتغير لون السماء، لكن شيئًا من النهار يظل مستيقظًا معنا؛ بريد عمل يصل متأخرًا، وخبر يستدعي خبرًا، ومقطع يقود إلى آخر، وحديث يبدأ عابرًا ثم يأخذ من الليل أكثر مما قصدنا أن نعطيه. العالم من حولنا لم يعد يملك ساعة انصراف واحدة، ولذلك لم يعد الإنسان يستطيع انتظار الخارج كي يعلن له نهاية يومه.
هنا يصبح اختيار النهاية شأنًا شخصيًا لا يقل أهمية عن اختيار البداية. كان الظلام يمنح الإنسان قديمًا حدًا طبيعيًا يصعب تجاوزه، أما اليوم فقد أصبح عليه أن يرسم ذلك الحد بنفسه؛ لا لأن الحياة من حوله انتهت، بل لأنها لن تنتهي من أجله. ولعل هذا هو التحول الأعمق: لم نعد نحتاج إلى مزيد من الوقت بقدر حاجتنا إلى معرفة متى يكفينا ما أخذناه منه.
ولهذا لا يصح أن نرد السهر كله إلى ضعف الإرادة. فالإنسان لا يختار ليله في فراغ؛ حوله عمل يمتد، ورسائل تصل، ومنصات لا تهدأ، وعالم لا يعرف متى يكف عن طلب حضوره. ومع ذلك، يبقى سهر آخر لا يملك صاحبه رفاهية تركه؛ طبيب يبيت لإنقاذ حياة، وعامل يفرض عليه رزقه العمل ليلا، وأب أو أم يظلان قرب طفل مريض. الفارق إذن ليس بين من يسهر ومن ينام، بل بين سهر تقتضيه الحياة، وسهر تستهلك فيه الحياة منا أكثر مما قررنا أن نمنحها إياه.
وفي السعودية يأخذ الليل إيقاعًا مختلفًا. فالمناخ الحار منح المساء منذ زمن مساحة أوسع للحركة واللقاء، فيما ظلت مواقيت الصلاة ترسم لليوم علاماته المعروفة. ثم تغيرت أسباب السهر وأدواته؛ من التلفاز والقنوات الفضائية والاستراحات والمقاهي، إلى الهواتف والشاشات الذكية والمنصات التي تصحبنا أينما ذهبنا.
ومن يعرف صيف هذه البلاد يدرك جيدًا كيف يغيّر انحسار حرارة النهار بعد الغروب علاقة الناس بالمكان. تخرج العائلات، وتمتلئ المطاعم والمقاهي والمتنزهات، وتستعيد المجالس حضورها، ويغدو الليل وقتًا كاملًا للحياة الاجتماعية لا مجرد ساعات تنتظر الصباح. ومع ما وفرته المدن الآمنة والمرافق الحديثة واتساع الخيارات، صار لليل عندنا حضوره الخاص، حتى يبدو في بعض ليالي الصيف كأنه بداية أخرى لليوم.
غير أن سمر الأمس لم يكن يشبه سهر اليوم تمامًا. كان المجلس ينفض حين يقوم أهله، وينتهي الحديث حين يستأذن الضيف، أما اليوم فقد انتقل جانب من السمر إلى فضاء لا يعلن انتهاءه من تلقاء نفسه. يمكن للمحادثة أن تمتد، وللمحتوى أن يتوالد، وللحضور أن يبقى قائمًا ما دام المرء متصلًا. بقي ميلنا إلى السمر كما هو، لكن الزمن الذي يحتضنه تغيّر؛ فما كان يعرف نهايته، أصبح اليوم ممتدًا، ما لم نقرر نحن أن نغادره.
وهكذا يجد المرء نفسه بين أزمنة لكل منها منطقه: فجر لا يتأخر من أجل سهرنا، ومناخ يمنح المساء جاذبيته، وعمل ودراسة ينتظراننا صباحًا، وعالم رقمي لا يعنيه أكان الوقت ليلًا أم نهارًا. وبين هذه الأزمنة لا يبحث الإنسان عن ساعة نوم فقط، بل عن الساعة التي يستطيع أن يقول عندها: انتهى نصيبي من هذا اليوم.
وفي الرؤية الإسلامية يأخذ الأمر عمقًا آخر. يقول الله تعالى: {وجعلنا نومكم سباتًا * وجعلنا الليل لباسًا * وجعلنا النهار معاشًا}. النوم والليل والنهار هنا أجزاء من نسق يمنح كل واحد منها موضعه ووظيفته. وثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، وجاء ذلك المعنى النبوي البالغ الإنسانية: «وإن لجسدك عليك حقًا».
ولا أقرأ ذلك خصومة مع الأنس، ولا دعوة إلى أن تنتهي الحياة عند ساعة واحدة. الذي يعنيني أن للزمن تبعاته؛ فما نقتطعه من الليل لا يتلاشى. قد نجده في فجر تثقل معه العين، أو صباح يبدأ بذهن لم يستوف راحته، أو مزاج يضيق بأقرب الناس. فالساعة التي نأخذها من الليل لا تختفي؛ نلتقي أثرها في موضع آخر من يومنا.
والطب الحديث، بلغته المختلفة، يعيدنا إلى الجسد نفسه؛ إلى كفاية النوم وانتظامه وتوقيته وجودته، وإلى أثر الضوء والساعة البيولوجية واختلاف البشر في حاجاتهم. والمشكلة ليست في ليلة استثنائية أو مجلس طال بأهله، وإنما حين يفقد الاستثناء اسمه ويصبح نظامًا؛ فيأخذ الليل من النوم، ولا يمنحنا الصباح ما أخذه.
والمفارقة أننا نعرف هذا كله تقريبًا. قد يرتدي أحدنا ساعة تحصي نومه ونبضه، ثم يقضي ليلته التالية أمام منصات التواصل حتى ساعة متأخرة. تقدمنا كثيرًا في قياس النوم، لكن معرفة أرقامه لم تجعلنا بالضرورة أقدر على معرفة اللحظة التي ينبغي أن نذهب فيها إليه.
وقد ازداد هذا السؤال وضوحًا عندي في رحلتي الأخيرة بين عدد من المدن الأوروبية. لم يكن اختلاف العمارة أو اللغة أكثر ما لفتني، بل اللحظة التي يبدأ عندها المجال العام في الانحسار. تغلق متاجر كثيرة، وتقل الخيارات، ويكتشف القادم متأخرًا أن المدينة ليست معنية بتلبية كل رغباته. لم أشعر بأن الحياة قد انطفأت بعد التاسعة، بل شعرت بأنها انتقلت من الشارع إلى البيت، ومن المجال المشترك إلى ما يخص الإنسان وأهله.
ولا أريد أن أحوّل هذا الاختلاف إلى مفاضلة بين مجتمع حي وآخر خامد؛ فتلك مقارنة تظلم الاثنين. نحن أمام إيقاعين مختلفين للحياة: مدن تضع جانبًا أكبر من نشاطها في النهار، ومجتمع حي يضفي ليله مساحة أوسع للقاء والأنس. لا فضيلة في متجر يغلق مبكرًا، ولا نقيصة في مدينة تبقى أبوابها مفتوحة إلى ساعة متأخرة.
من هنا أفهم «تاسعة الغذامي». لا أراها دعوة إلى النوم المبكر، ولا انسحابًا من مسؤوليات اليوم، ولا تفضيلًا لساعة على أخرى. معناها أبعد من ذلك؛ أن يعرف الإنسان متى يتوقف حتى لا يتحول الاستمرار نفسه إلى استنزاف، ومتى يمنح جسده وعقله من الراحة ما يعيدهما إلى مسؤوليات الغد بقدرة أوفى.
قال: «التاسعة.. تحياتي»، ومضى.
في هذه العبارة قدر من الحسم لا يخاصم الحياة، بل يصونها. فما بقي من عمل يمكن أن يُستأنف، وما تأخر من حديث له غد، وما يستحق أن يُنجز حقًا أولى به عقل حاضر وجسد لم يُستهلك حتى آخره. فالعمل لا تزيد قيمته كلما طال، ولا يكون العطاء أصدق كلما جاء على حساب صاحبه؛ أحيانًا تكون الراحة جزءًا من المسؤولية نفسها.
ولعل واحدة من مفارقات عصرنا أننا نتقن الاستمرار أكثر مما نتقن التوقف في الوقت المناسب. نظن أن الساعة الإضافية تضيف إلى الإنجاز، بينما قد تأخذ من صفاء الغد أكثر مما منحتنا في آخر الليل. وما نكسبه من زمن لا يكون مكسبًا دائمًا إذا خسرنا معه جودة ما سنفعله بعده.
لهذا لا تبدو «التاسعة» عندي دعوة إلى النوم بقدر ما تبدو دعوة إلى أن يكون للعطاء ما يليق به من راحة. فالأسرة لا تستحق بقايا إنسان أنهكه يومه، والعمل لا يستحق ذهنًا مستنزفًا، والجسد الذي يحمل مسؤولياتنا ليس أمرًا مؤجلًا إلى ما لا نهاية.
وربما هنا تستقر فلسفة التاسعة: أن نعرف متى نغادر يومنا، لا لأن مسؤولياتنا انتهت، بل حتى نعود إليها غدًا ونحن أقدر على أن نؤديها كما تستحق.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي