علي حسن حسون
تبدأ الحكاية في كثير من الأحيان من حيث لا يتوقع أحد؛ خلاف عائلي عابر يتسع مع الوقت حتى يتحول إلى قطيعة، أو مرض طارئ يصيب أحد أفراد الأسرة فيترك أثراً نفسياً ينعكس على البيت كله، فتزداد التوترات وتتراكم الشكوك، ويصبح المكان الذي يفترض أن يكون مساحة للأمان مثقلاً بالقلق.
في هذه اللحظة يبدأ الإنسان في البحث عن تفسير لما يحدث، لا لأنه يؤمن بكل ما يقال له، بل لأنه يريد سبباً واضحاً لمعاناته. ومع ضعف الإنسان وكثرة أسئلته، تأتيه النصائح: اذهب إلى فلان، فهو «عارف» يفك السحر ويعالج المس. وهنا تبدأ رحلة قد يدخلها بحثاً عن العلاج، لكنه قد يخرج منها محملاً بمزيد من الخوف.
يذهب الشخص وفي داخله مجرد احتمال، لكنه يجد نفسه وسط آخرين يروون قصصاً مشابهة، وكل رواية تضيف إلى مخاوفه شيئاً جديداً ومع كثرة المنتظرين أمام الباب، يشعر وكأن المكان يكتسب شرعية خاصة، وكأن العدد دليل على الحقيقة. والأسوأ أن هذا «الشيخ» قد يملك مواعيد وأسعاراً وقائمة انتظار طويلة، فيبدو كعيادة متخصصة، رغم أن ما يقدمه لا يخضع لأي معيار علمي.
ومع مرور الوقت، لا يبقى الإنسان كما جاء؛ فالفكرة تتحول إلى قناعة، والشك إلى يقين والصداع يصبح علامة، واضطراب النوم دليلاً، والخلافات إشارات، والحلم رسالة وعندما يصل إلى الموعد، يكون قد دخل محملاً بتفسيرات جاهزة، مستعداً لتصديق أي إجابة تُقال له.
داخل الغرفة تبدأ أسئلة عامة: هل تشعر بالضيق؟ هل لديك أحلام مزعجة؟ هل هناك خلافات؟ وهي أسئلة يمكن لأي إنسان أن يجيب عنها بنعم. ثم تُجمع الإجابات ليخرج «العارف» بحكم جاهز: أنت مسحور، أو بك مس من الجن وهنا يتحول القلق إلى اتهام، وقد يُزرع الشك في أقرب الناس.
ولا يتوقف الأمر عند التشخيص، بل يمتد إلى وصفات قد لا علاقة لها بالعلاج، كطلب ذبح هدية للجان أو طقوس غريبة، فتتحول المعاناة إلى باب للدجل، ويصبح الخوف وسيلة للربح.
الأخطر أن هذا الاستغلال لا يسرق المال فقط، بل يسرق الثقة بين الناس. فقد يتهم المريض أحد أقاربه، أو يفسر كل خلاف على أنه سحر، فتتضرر العلاقات وتنهار الروابط الأسرية بسبب وهم.
وفي كثير من الحالات، يكون السبب الحقيقي اضطرابات نفسية أو ضغوطاً حياتية تحتاج إلى طبيب مختص، لكن الخوف من الوصمة يدفع البعض إلى البحث عن تفسيرات غيبية يتصدى لها دجالون، فتتأخر فرص العلاج وتتفاقم الحالة.
إن أخطر ما يفعله الدجل أنه لا يعالج الوهم، بل يزرعه ثم يقدم نفسه مخلصاً منه، فيصبح الإنسان أسيراً لفكرة أن نجاته لا تكون إلا على يد شخص واحد. بينما قد يكون الطريق الحقيقي أبسط بكثير؛ أن نفهم ما نعانيه ونطلب المساعدة من أهل الاختصاص فزيارة الطبيب النفسي ليست عيباً ولا ضعفاً في الإيمان، بل خطوة واعية نحو فهم الحالة النفسية وتشخيصها وعلاجها بالطرق العلمية المناسبة. فالمرض النفسي، كغيره من الأمراض، يحتاج إلى علاج، والطبيب النفسي قد يكون بداية الطريق لاستعادة الإنسان توازنه وطمأنينته وحياته الطبيعية. لا تجعلوا الخوف من الوهم يمنعكم من مواجهة الحقيقة، ولا تجعلوا نظرة المجتمع تحول بينكم وبين العلاج.