التصنيفات العالمية و«صقر» بين قياس الأداء وصناعة الوهم في كل عام، يتكرر المشهد في جامعات العالم: تصدر التصنيفات، فتعلو البيانات الصحفية، وتتوالى عبارات التهنئة، وتُحتفى المراكز صعودًا وهبوطًا، وكأن الجامعة ربحت معركة علمية لمجرد أنها تقدمت بضع خانات في جدول.
لكن قبل أن نسأل: من الأولى؟
ربما يجدر بنا أن نسأل أولًا: ماذا تقيس هذه التصنيفات؟
فالتصنيف الجامعي ليس ميزانًا واحدًا للحقيقة، بل مجموعة موازين، لكل منها فلسفته وأوزانه وتعريفه الخاص للتميز.
من أشهرها تصنيف كيو إس العالمي للجامعات، وتصنيف التايمز للتعليم العالي العالمي، والتصنيف الأكاديمي العالمي للجامعات «شنغهاي». ولكل منها زاوية مختلفة في النظر إلى الجامعة.
فتصنيف كيو إس يجمع بين السمعة الأكاديمية، وسمعة أصحاب العمل، والاستشهادات البحثية، والانفتاح الدولي، والتوظيف والاستدامة.
أما تصنيف التايمز للتعليم العالي العالمي، فقد أصبح أكثر تعقيدًا؛ فهو يستخدم 18 مؤشر أداء موزعة على خمسة محاور: التعليم وبيئة التعلّم، وبيئة البحث، وجودة البحث، والنظرة الدولية، والصناعة ونقل المعرفة. وتشمل مؤشرات البحث حجم البحث ودخله وسمعته، وجودته من حيث أثر الاستشهادات وقوة البحث وتميزه وتأثيره، فيما تشمل النظرة الدولية العاملين والطلاب والبحث، والصناعة دخل الجامعة وبراءات الاختراع. كما أن مؤشر الدراسة في الخارج موجود ضمن المنهجية، لكنه يحمل حاليًا وزنًا صفريًا، مع نيَّة لإدخاله مستقبلًا بعد المراجعة والتشاور.
أما تصنيف شنغهاي، فيميل بوضوح أكبر إلى قياس القوة البحثية المتراكمة، من خلال الجوائز العلمية، والباحثين الأعلى استشهادًا، والإنتاج البحثي عالي التأثير وغيرها من المؤشرات البحثية.
ثلاث مرايا إذن، لا مرآة واحدة؛ وثلاثة تعريفات للتميز، لا تعريف واحد.
ولهذا، عندما تتقدم جامعة في تصنيف وتتراجع في آخر، فليس بالضرورة أن يكون أحدهما مخطئًا.
إنهما يطرحان أسئلة مختلفة على الجامعة.
وهنا تكمن أولى مشكلات المشهد التصنيفي: أن نتعامل مع النتيجة كما لو كانت حقيقة مطلقة، بينما هي في الأصل نتيجة لمعادلة محددة.
قد تكون الجامعة قوية في التعليم، لكنها ليست قوة بحثية عالمية.
وقد تكون جامعة بحثية ضخمة، لكن تجربة الطالب فيها ليست بالضرورة الأفضل.
وقد تتفوق جامعة في توظيف خريجيها، بينما تتفوق أخرى في إنتاج المعرفة.
وقد تكون جامعة حديثة العهد شديدة القوة، لكنها لا تستطيع منافسة جامعة عريقة في المؤشرات التراكمية.
لذلك فإن السؤال: «من أفضل جامعة؟» سؤال ناقص.
والسؤال الأدق:
أفضل في ماذا؟
فهذه ليست مناورة لغوية، بل جوهر القضية.
فالجامعة مؤسسة متعددة الوظائف، والتصنيف لا يستطيع اختزال جميع وظائفها في نتيجة واحدة دون أن يفقد شيئًا من الصورة.
في المملكة، تكشف النتائج بوضوح أن صورة الجامعة تتغير بتغير التصنيف.
في تصنيف كيو إس العالمي للجامعات لعام 2026، تصدرت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الجامعات السعودية، وجاءت في المرتبة 67 عالميًا، فيما جاءت جامعة الملك سعود في المرتبة 143، وجامعة الملك عبدالعزيز في المرتبة 163 .
وفي التصنيف الأكاديمي العالمي للجامعات «شنغهاي» لعام 2026، جاءت جامعة الملك سعود ضمن الفئة 151–200 عالميًا.
فأي النتيجتين نصدق؟
السؤال في ذاته خاطئ.
فكل نتيجة صحيحة داخل المنهجية التي أنتجتها.
المركز 67 في كيو إس لا يعني أن الجامعة أفضل في كل شيء من الجامعة التي جاءت في المركز 143، كما أن الفئة 151-200 في شنغهاي لا تعني حكمًا مطلقًا على جودة التعليم أو تجربة الطالب أو الأثر المجتمعي.
إنها ببساطة تقول:
إن الجامعة حققت نتيجة معينة وفق معايير تصنيف معين.
والمشكلة تبدأ عندما نحول هذه النتيجة إلى حكم شامل على الجامعة.
من هنا تأتي أهمية التصنيف السعودي العالمي لمؤسسات التعليم العالي «صقر».
وجود تصنيف وطني ليس ترفًا، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره منافسًا شكليًا للتصنيفات العالمية.
فالجامعة السعودية تعمل في سياق له أولوياته الخاصة: جودة التعليم، ومواءمة المخرجات مع سوق العمل، والبحث والابتكار، وخدمة المجتمع، والكفاءة والاستدامة.
وهذه أبعاد لا ينبغي أن تذوب داخل مقاييس صممت أساسًا لمقارنة جامعات في سياقات مختلفة.
ولهذا يأتي «صقر» ليضيف زاوية وطنية إلى المشهد، ويتيح قراءة أداء مؤسسات التعليم العالي في ضوء الأولويات الوطنية.
وفي نسخته الثانية لعام 2026، ميّز «صقر» بين الفئة التعليمية لجميع مؤسسات التعليم العالي، والفئة الشاملة للمؤسسات ذات النشاط البحثي، مع اختلاف الأوزان بين الفئتين.
في الفئة التعليمية، تستحوذ جودة التعليم والتعلم على 90 %، مقابل 10 % لخدمة المجتمع. أما الفئة الشاملة فتوزع وزنها بين جودة التعليم والتعلّم، والنشاط البحثي، والابتكار ونقل المعرفة، وخدمة المجتمع. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الجامعات ليست قالبًا واحدًا.
الخوف ليس من التصنيف.
بل من الارتهان له.
حين يصبح السؤال في الجامعة:
كيف نرتفع في تصنيف كيو إس؟
ثم:
كيف نتقدم في تصنيف التايمز؟
ثم:
كيف نصعد في تصنيف شنغهاي؟
ثم:
أين نحن في «صقر»؟
فقد تنتقل الجامعة تدريجيًا من إدارة الجودة إلى إدارة المؤشرات.
وهنا يحدث الانقلاب.
المؤشر الذي كان يفترض أن يخبرنا عن الأداء يبدأ في تحديد الأداء.
فتصبح الجامعة معنية أحيانًا بما يرفع الترتيب، لا بالضرورة بما يرفع القيمة.
وهذا هو الفارق بين أن يكون التصنيف أداة للتشخيص، وأن يتحول إلى غاية في ذاته.
الأول يساعد الجامعة على أن ترى نفسها.
والثاني قد يجعلها تعيد تشكيل نفسها لكي تناسب الجدول.
هل نقيس ما يستحق القياس؟
هذه هي المسألة الأعمق.
التصنيفات تستطيع قياس عدد الأبحاث، والاستشهادات، والجوائز، والشراكات، والطلاب الدوليين، وبراءات الاختراع، والتوظيف وغيرها.
لكن هل تستطيع أن تقيس بدقة:
كم عقلًا غيرت الجامعة؟
كم طالبًا علمته كيف يفكر لا كيف يحفظ؟
كم مشكلة وطنية أسهمت في حلها؟
كم صناعة غيَّرت؟
كم فكرة خرجت من مختبراتها ثم عبرت إلى العالم؟
هذه هي روح الجامعة، لكنها أصعب من أن تختزل في خانة.
ولذلك ينبغي أن نتذكر دائمًا:
سهولة القياس لا تعني أن ما قيس هو الأهم.
فقد تنتج الجامعة مئات الأبحاث، لكن القيمة الحقيقية ليست في عددها وحده، وإنما في المعرفة التي أضافتها والأثر الذي أحدثته.
وقد تخرج آلاف الطلاب، لكن السؤال الأهم: ماذا أضافت إليهم الجامعة، وماذا أضافوا هم إلى مجتمعهم؟
هناك قاعدة شهيرة في الإدارة والاقتصاد: عندما يتحول المؤشر إلى هدف مباشر، قد يفقد وظيفته الأصلية كمؤشر.
وهذا ما يجب أن ننتبه إليه في التعليم العالي.
فما نقيسه يجذب اهتمامنا.
وما نكافئه يشكل سلوكنا.
وما نحتفي به إعلاميًا يصبح مع الوقت جزءًا من تعريفنا للنجاح.
ولهذا فإن الجامعة التي تُحاسب على ترتيبها ستتصرف بصورة مختلفة عن الجامعة التي تُحاسب على جودة تعليمها، وقوة بحثها، وأثر خريجيها، ثم تستخدم التصنيف لمعرفة موقعها من هذه الرحلة.
الأولى تطارد المركز، والثانية تبني القيمة.
الجامعة ليست سباقًا سنويًا
التصنيفات تصدر كل عام.
لكن الجامعات لا تُبنى في عام.
بناء مدرسة علمية قوية يحتاج سنوات.
وتكوين باحث عالمي يحتاج سنوات.
وتأسيس مختبر مؤثر يحتاج وقتًا.
وتغيير ثقافة مؤسسة جامعية قد يحتاج عقدًا كاملًا.
ولهذا فإن إخضاع الجامعة لضغط النتائج السنوية قد يدفع بعض القيادات إلى تفضيل القرارات ذات الأثر السريع، على حساب الاستثمارات التي لا تظهر ثمارها إلا بعد سنوات.
الجامعة مشروع طويل الأجل، بينما التصنيف خبر سنوي.
وهنا قد يتصادم زمن المؤسسة مع زمن الإعلام.
وهل نريد جامعات متشابهة؟
هذه واحدة من أخطر نتائج سباق التصنيفات.
إذا أرادت كل الجامعات أن تتقدم في المؤشرات نفسها، فقد تبدأ في بناء الأشياء نفسها، واستقطاب التخصصات نفسها، وملاحقة الباحثين أنفسهم، وتكرار الشراكات نفسها.
فنجد جامعات كثيرة، لكنها متشابهة في طموحاتها ومؤشراتها.
بينما قوة النظام الجامعي لا تأتي من أن تكون كل جامعاته قوية في الشيء نفسه.
بل من أن تكون كل جامعة قوية في شيء تحتاجه المملكة والعالم.
جامعة تتميز بالطاقة.
وأخرى بالطب.
وأخرى بالذكاء الاصطناعي.
وأخرى بالصناعات المتقدمة.
وأخرى بالعلوم الإنسانية.
وأخرى بالتعليم التطبيقي.
عندها لا تصبح الجامعات نسخًا متشابهة، بل أجزاء متكاملة من منظومة واحدة.
ماذا نريد من «صقر»؟
لا نريد أن يتحول «صقر» إلى نسخة سعودية من التصنيفات العالمية.
ولا نريد أن نستبدل ارتهانًا عالميًا بارتهان محلي.
نريد «صقر» أداة تشخيص وطنية.
أن يقول للجامعة:
هذه قوتك.
وهذه فجوتك.
وهذا موقعك مقارنة بالمؤسسات المشابهة.
وهذا ما تحسن.
وهذا ما تراجع.
وهذه القرارات التي تحتاج إليها.
فالتصنيف، في أفضل حالاته، لا ينبغي أن يكون منصة لإعلان المركز فقط، وإنما أداة لاتخاذ القرار والتحسين المؤسسي.
وحينها تصبح قيمته في السؤال الذي يثيره، لا في النتيجة التي يعلنها.
ربما آن الأوان أن نخفف من سؤال:
«كم ترتيب جامعتنا؟»
ونكثر من سؤال:
«لماذا حصلت على هذا الترتيب؟»
ثم السؤال الأهم:
«ماذا ينبغي أن نفعل بناءً عليه؟»
فهنا فقط يتحول التصنيف من سباق إلى معرفة، ومن منافسة شكلية إلى تحسين حقيقي.
التصنيفات العالمية مهمة.
والتصنيف السعودي «صقر» مهم.
ونحتاج إلى المقارنة بينها وتحليلها ونقد منهجياتها.
لكن لا ينبغي أن نمنح أي تصنيف سلطة أكبر من حجمه.
فالجامعة أكبر من جدول، وأعمق من مؤشر، وأبقى من ترتيب سنوي.
التصنيف يستطيع أن يخبرنا أين تقف الجامعة، لكنه لا يستطيع أن يقرر إلى أين ينبغي أن تذهب.
وهذه مهمة الجامعة نفسها.
فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تتأخر جامعاتنا في التصنيفات.
بل أن تتقدم فيها.. ولا تتقدم في الحقيقة.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري