د. تنيضب الفايدي
كانت المدينة معروفة بالآطام والحصون قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، وقد أثبت القرآن الكريم هذه المباني، وخلَّد هذا النوع من العمران في المدينة المنورة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ذكرت الصياصي قال تعالى: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}. سورة الأحزاب الآية (26)، وكذلك ذكرت الحصون قال تعالى: {.... وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا....}. سورة الحشر الآية (2). كما ذكرت الأبراج وهي المباني ذات الطبقات المتعددة قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}. سورة النساء الآية (78). وقد أثرت هذه الآطام في حياة سكان يثرب تأثيراً عميقاً وأصبحت هذه الآطام والحصون من مصادر الفخر والعز لأصحابها، قال المسعودي: «وكان الأوس والخزرج يؤرِّخون بناء الآطام لما تحاربوا عليها». والآطام زينة وعبرة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هدمها فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن آطام المدينة أن تهدم. وفي رواية: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة). وقد انتشرت عمارة الآطام والحصون في يثرب بأعداد هائلة، حيث بلغ مجموع تلك الآطام مع ما سبقها مائة وسبعة وعشرين أطماً، كما ذكرت بعض المصادر الأخرى أكثر من (مائة) أطم. وقد أتقن البناءون والصنَّاع الذين كانوا في (يثرب) أتقنوا بناء الدور والآطام والحصون بالصخور ولا سيما الصخور البازلتية (السوداء) بدليل أنها قاومت عوامل التعرية من الرياح والأمطار وبقيت مئات السنين حتى بقيت آثارها إلى وقت قريب، بل ما زالت بعض آثارها قائمة حتى تاريخها، هذا بدليل وجود بقايا حصن كعب بن الأشرف، وهذه المنازل والآطام تدل على حضارة وتقدّم، كما ترك أصحابها آثار مصانع وصهاريج مياه لم يبق منها اليوم إلا أطلالاً دوارس، وقد شيّدت هذه الآطام لأغراض متنوعة ووظائف مختلفة منها:
-التحصن من الأعداء كما حدث في كثير من الغزوات مع اليهود.
- حماية المزارع والأراضي الزراعية.
- أنها كالمستودع للغلال والثمار.
- أنها مكان مناسب لحفظ الكنوز والأموال.
- أنها مخازن للأسلحة.
- أنها مركز للإعلان والتبليغ.
ومن تلك الآطام أطم الصرار، وصِرَارٌ ككتاب وهو أطم شامي، وقد أطلق صرار على عدة مواضع، فقيل: إنها بئر، وقيل: أطم، وقيل: موضع فيه بئر، وهي جميعاً علم لموقع واحد، وهذا ما يؤكده السمهودي من أن الأصل في التسمية هو الأطم، ثم اكتسبت المنطقة منه هذا الاسم.
ويقع أطم الصرار في حي العريض، شرقي المدينة المنورة، على أطراف حرة واقم، وبالقرب من وادي قناة، في مرتفع الجزء الشمالي الشرقي من الحرة الشرقية، وهو من آطام الجاهلية، إذ كان لبني عبد الأشهل، وقد أنشئ كتحصين حربي من أيام الجاهلية، ويبعد هذا الأطم عن مسجد علي العريض الواقع في غربيه بمقدار خمسة وأربعين متراً، ويكتسب هذا الموقع أهمية خاصة في التاريخ نظراً لكونه واقعاً على طريق المسافرين إلى نجد والقادمين منه، وقد ذكره البخاري ومؤرِّخو المدينة مثل الفيروزآبادي والسمهودي والعباسي والحميري وغيرهم، قال الحموي: «صرار أطم لبني عبد الأشهل، له ذكر كثير في أيام العرب وأشعارها، وإليه ينسب محمد بن عبد الله الصراري، وقال البكري: بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم». وقديماً كان بينه وبين الحرم النبوي مسافة تقدَّر بثلاثة أميال، أما الآن فقد تجاوز البنيان موقع الصرار كثيراً يصل البنيان خلفه (20) كيلومتراً.
أما وصفه فقد بني الأطم على مرتفع من الحرة، يزيد عن منسوب محيطه أكثر من عشرة أمتار، مما أعطاه مزيداً من التميز والإشراف والهيبة، وهو مبني بحجارة الحرة السوداء، ويتكون الأطم من فناء خارجي محاط بسور فيه عدد من الأبراج للحراسة، ومبنى داخلي يضم عدداً من الغرف الكبيرة التي تطل على فناء داخلي صغير، وفي داخل فناء الأطم بئر دائرية لا يزيد قطرها عن 1.20سم، بنيت بالحجارة المنتظمة، تستخدم في العادة للحصول على المياه داخل الأطم حالة الطوارئ وعلى أطراف الأطم من خارجه بئران آخران، أحدهما في الجهة الجنوبية، والآخر في الجهة الشرقية.
وارتبطت بهذا الموقع عدة أحداث تاريخية، خاصةً بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث دخل هذا الموقع في أحداث السيرة النبوية، ومنها: ما ورد بأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عاد من غزوة قرقرة الكدر توقف عنده وقسم غنائم الغزوة بين أصحابه.
كما جاء ذكره في غزوة ذات الرقاع، ففي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال: اشْتَرَى مِنِّي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعِيرًا بِوَقِيَّتَيْنِ وَدِرْهَم أَوْ دِرْهَمَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا، أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ.
وفي طريق عودته حصلت قصة جميلة عذبة يتبشبش القلب لروايتها إنها قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع جابر بن عبدالله وجمله، فقد ورد بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من غزوة ذات الرقاع مرّ على جابر بن عبد الله وقد أبطأ به جمله، فنخسه فصار يسابق ناقة النبي صلى الله عليه وسلم. قال جابر بن عبدالله رضي الله عنه: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مالك يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله أبطأني جملي هذا، قال: «أنخه»فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «أعطني هذه العصا من يدك، أو أقطع لي عصاً من شجرة»قال: ففعلت. قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات، ثم قال: اركب، فركبت فخرج – والذي بعثه بالحق- يواهق ناقته مواهقة أي: يسابقها في المشي لسرعته.
وفيه أنه صلى الله عليه وسلم سأل عن حالته الاجتماعية، فذكر أنه تزوج ثيباً، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟». فعلل سبب زواجه من الثيب بأن له أخوات فأحب أن يتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن. وطلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قدم المدينة أن يعمل عملاً كيساً، ثم قال: أتبيع جملك؟ فوافق جابر، فاشتراه منه بأوقية، وعندما أتى بالجمل من الغد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الرسول بلالاً أن يعطيه الأوقية. فوزن له بلال فأرجح له في الميزان، وعندما ولى دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم وردّ عليه جمله. متفق عليه.
في هذه القصة صورة جميلة ورفيعة لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حيث لطف الحديث والتواضع الرفيع ورقة الحديث وفكاهة المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه، والوقوف على أحوالهم والمؤاساة في مشكلاته الاجتماعية مادياً ومعنوياً.
ومن المواقف النبوية في هذا المكان: أن نبينا صلى الله عليه وسلم أتى بني حارثة، وهم في سند الحرة، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم، ثم التفت صلى الله عليه وسلم وتحقق من المكان، فقال: «بل أنتم فيه، بل أنتم فيه، بل أنتم فيه، أي: أنتم في الحرم. وهذا يدلّ على أن السكنى في حدود الحرم لها ميزة وفضيلة، ولذلك عاد فأكّد: «بل أنتم فيه» فهذه الميزة يسعد بها كلّ من سكن المدينة داخل حدود حرمها.
والمسافة بني منازل بني حارثة والمسجد النبوي قرابة (4كم) تقطع عادة مشياً على الأقدام، وهذا يبين لنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يصل إلى رباع الأنصار ومنازلهم المتفرقة في المدينة، ويعمر دورهم بزياراته، ومنها هذا المكان الذي يعتبر من أطراف المدينة في شمالها الشرقي، فيسعد بنو حارثة بوصول النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ودخوله رباعهم وتواصله معهم.
وهذا يبين لنا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتقل بين فجاج المدينة كأنما ينسج العلاقة بين بقاعها، ويشدّ الرباط بين رباعها ودورها ليجعلها مدينة مترابطة متواصلة، ومن أعظم ما يقوّي هذا التواصل تنقله صلى الله عليه وسلم بين أحيائها ودُورها. حتى هؤلاء الذين هم في أماكن تعد بعيدة عن الحرم النبوي لا يشعرون أنهم منقطعون عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فها هو يزورهم ويصل إليهم.
وأما عن الأحداث التي شهدها بعد النبوة، فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شيع بعض الأنصار الذين بعثهم إلى الكوفة إلى صرار، حيث ذكر ابن جرير رحمه الله: «وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة (السنة الرابعة عشر هجري) في الجيوش من المدينة فنـزل على ماء يقال له صِرار (وصرار أطم، كل أطم بجواره بئر ماء كما هو معروف)، فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم عقد مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي رضي الله عنه فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على أن يذهب هو إلى العراق لقيادة الجيوش إلا عبد الرحمن بن عوف، فإنه قال له: إني أخشى إن كسرتَ أن تضعف المسلمين في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة، فاستصوب عمر والناس عند ذلك رأي ابن عوف. فقال عمر: فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته، قال: ومن هو؟ قال: الأسد في براثنه، سعد بن مالك الزهري (سعد بن أبي وقاص)، فاستجاد قوله، وأرسل إلى سعد، فأمّره على العراق».
وقال زيد بن أسلم: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى إذا كنا بحرة واقم إذا بنا بنار تؤرث (تشعل) بصرار، فسرنا حتى أتيناها فقال عمر: السلام عليكم يا أهل الضوء، وكره أن يقول يا أهل النار، أأدنو؟ فقيل له أدن بخير أَوْ دَعْ. وإذا بهم ركب قصر بهم الليل والبرد والجوع، وإذا امرأة وصبيان، فنكص على عقبيه، وأقبل يهرول حتى أتى دار الدقيق، فاستخرج عدل دقيق، وجعل فيه كبّة من شحم ثم حمله حتى أتاهم، فقال للمرأة: ذري وأنا أحرُّ لك، يريد أتخذ لك حريرة.
ومن ذلك أن عبد الله بن عامر البصري أرسل جيشاً من أهل البصرة بقيادة مجاشع بن مسعود لمناصرة عثمان رضي الله عنه لما أراد البغاة قتله، فسار بهم حتى إذا ما وصلت طلائع الجيش عند صرار أتاهم قتل عثمان رضي الله عنه.
وقد جاء ذكر صرار في الأشعار كثيراً، يقول الشاعر:
لعلَّ صراراً أنْ تجيشَ بئارُها
ويسمع بالريان تبنى مشاربه
قال حسان بن ثابت يذكر إخراج الأوس والخزرج يهود من يثرب:
فسرنا إليهم بأثقالنا
على كل فحل هجان قِطَمْ
فلما أناخوا بجنبَيْ صِرَار
وشدّوا السُّرُوج بليّ الحزمْ
قال حكيم بن عكرمة الديلي يتشوق المدينة، ويذكر عدداً من المواقع للمدينة ومنها صرار:
لعمريَ لَلْبَلاطُ وجانباهُ
وحَرَّةُ واقِمٍ ذاتُ المنَارِ
فجَمَّاءُ العقيقِ فَعرْصتاهُ
فمفضى السَّيلِ من تلك الحِرَارِ
إلى أُحُدٍ فذي حُرُضٍ فمبنى
قبابِ الحيِّ، من كنَفَيْ صِرارِ
أحبُّ إليَّ من فَجٍّ ببُصرى
بلا شكٍّ هناك ولا ائتمار
ومن قُريات حمصَ وبعْلَبَكٍّ
لو أني كنتُ أُجعلُ بالخِيارِ
إن الحوادث التاريخية المذكورة وكذا ورود ذكره في أشعار العرب وأيامهم تؤكد على ارتباط هذا الأطم وموقعه بأحداث تاريخية مهمة نظراً لموقعه المميز في شرق المدينة المنورة. ولا يزال لهذا الأطم بقايا قائمة إلى اليوم قرب الخط الدائري الثاني للمدينة المنورة؛ ويوجد في أعلاه بئر.
المراجع
المغانم المطابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، عمدة الأخبار للعباسي، الروض المعطار للحميري، معجم البلدان للحموي، الإغاني للأصبهاني، سيرة ابن هشام، البداية والنهاية لابن كثير، تاريخ الرسل والملوك للطبري، التاريخ الإسلامي للحميدي، التاريخ السياسي العسكري للدكتور علي معطي، تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً للخياري، خلافة عمر بن الخطاب للسلمي، المدينة بين الماضي والحاضر للعياشي، صيد الذاكرة للدكتور تنيضب الفايدي، معجم معالم الحجاز للبلادي، الأدب يخلد معالم الوطن للدكتور تنيضب الفايدي، موسوعة معالم المدينة المنورة لمركز بحوث ودراسات المدينة المنورة.