أحمد الأسمري
في كل أغسطس، تعود ذكرى الخميس الأسود، عندما اجتاحت قوات صدام الكويت، وبدأ معها أحد أخطر التحديات التي واجهت المملكة، يومها تقدمت الأغنية إلى ساحة المواجهة، وبرز محمد عبده في طليعة أصواتها؛ يواجه دعاية الغزو، ويدافع عن وحدة الوطن، ويساند الكويت، حتى غدت حنجرته مدفعاً يضرب المعتدي.
بلغ هذا الدور ذروته في «أجل نحن الحجاز ونحن نجد»، قصيدة الدكتور غازي القصيبي التي جاءت رداً مباشراً على إعلام صدام، بعدما حاول اختزال المملكة في مسميات جغرافية قديمة، والإيحاء بأنها كيان قابل للانقسام. قلَب القصيبي الدعاية على صاحبها، وجعل الحجاز ونجد والشمال والجنوب والشرق أبياتاً تهتف بالولاء، ثم جاء لحن محمد عبده وصوته ليحوّلا القصيدة إلى بيان شعبي مدوٍّ.
وفي «أقسمت يا كويت»، اجتمعت براعة القصيبي الشعرية مع إحساس فنان العرب في وعد لا يعرف التردد: ستعود الكويت من خنادق الظلام وبنادق الغزاة. وكانت الأغنية امتداداً لذلك القلم الذي خاض المعركة في مقالات «في عين العاصفة»، يفضح أكاذيب النظام العراقي ومناصريه، وينافح عن الحق الكويتي، مدركاً أن المعركة لم تكن سياسية وعسكرية فقط.
ومنح الأمير بدر بن عبدالمحسن تلك المرحلة عدداً من أجمل نصوصها. ففي الأغنية الأيقونية «هل التوحيد» رد على تباهي الغريم بمصطلح «قادسية صدام»، قائلاً: «القادسية اللي يقول.. جندها من هالبلد»؛ فأرض الجزيرة هي أرض الرسالة والرسول، وهي التي أنبتت سعد بن أبي وقاص، قائد القادسية الحقيقية، لا المعركة العبثية التي حاول صدام أن يستعير لها أمجاد التاريخ.
وفي «هبّت هبوب الجنة»، استدعى الأمير محمد العبدالله الفيصل من ذاكرة التوحيد صيحة رجال الملك عبدالعزيز: «وين أنت يا باغيها»، وربط حاضر المملكة بتاريخها، كأن فرسان التوحيد يعودون في زمن فهد ليحرسوا البلاد ويذودوا عن الجار.
وجاء الأمير سعود بن عبدالله في «حنا جنود الله» بموقف حاسم: «من دون بيت الله نبي لبس الكفن»، في أغنية جعلت الدفاع عن المقدسات والوطن شرفاً لا يقبل المساومة.
لم تكن تلك الأغنيات فواصل بين البرامج ونشرات الأخبار؛ بل أصبحت جزءاً من المشهد نفسه. سُمعت في البيوت والمعسكرات والسيارات، ومنحت الناس لغة يعبّرون بها عن حماستهم وغضبهم وثقتهم بالظفر.
ومع تحقق النصر وتحرير الكويت، واصل محمد عبده مواكبة الحدث بأعمال احتفت ببطولات الميدان. ومن أبرزها «رافع الراس» من كلمات الأمير خالد الفيصل، وقد أشاد فيها ببسالة الجندي السعودي وتضحياته: «كل ما كبرت الشدات عندي.. السعودي على الشدة يزودِ»، قبل أن يختمها بصورة من وحي المعارك: جندي يعتمد على الله، ثم على زنده، ويحمل إرثاً طويلاً من الشموخ والتضحية.
خلال الأزمة، قدّم محمد عبده ثلاثة ألبومات وطنية، إلى جانب أعمال متفرقة، في إنتاج لم يقترب منه فنان آخر كماً ونوعاً. لكنه لم يكن وحده؛ فقد أبدع صوت الأرض طلال مداح، وعبدالمجيد عبدالله، وعبادي الجوهر، وعلي عبدالكريم، ومحمد عمر، وعبدالله رشاد، وراشد الماجد، ورابح صقر، وكوكبة من الفنانين السعوديين والخليجيين. وازدهرت خصوصاً التعاونات بين فناني الخليج، كأن الفن قد زاد متانة الجسر الذي حاول المحتل هدمه.
شهدت تلك الأشهر أضخم موجة للأغنية الوطنية السعودية، بل ذروتها التي لم تتكرر. وكان محمد عبده علامتها الفارقة؛ مطرباً حمل القصيدة إلى الناس، وملحناً صاغ لها هيبتها، وصوتاً وقف في مواجهة المعتدي.
أطلق صدام مقذوفاته البائسة وانتهت إلى الهزيمة والزوال، أما قذائف محمد عبده فما زال دويها مسموعاً حتى اليوم.