محمد بن عبدالعزيز السالم
لا أحد يختلف على أهمية العمل الخيري في مجتمعنا، ولا يمكن أن ننكر فضل المحسنين ورجال الأعمال وكل من يمد يده لدعم الأسر المحتاجة. لكنني أعتقد أن الوقت قد حان لنتحدث بصراحة، بعيدًا عن المجاملات: هل ما زال توزيع المساعدات هو أفضل صورة يمكن أن نقدم بها العمل الخيري؟
لقد توسع القطاع غير الربحي، وكثرت الجمعيات وتنوعت أنشطتها، وهذا أمر يدعو للفخر. لكن كثرة الجمعيات يجب ألا تكون هدفًا بحد ذاتها. الهدف الحقيقي هو أن نرى أثرًا أكبر، ونتائج أكثر استدامة.
فهل من المنطقي أن تستمر بعض الجمعيات في جمع التبرعات وتوزيعها عامًا بعد عام، بينما يبقى المستفيد في دائرة الاحتياج نفسها؟
لماذا لا نجرؤ على تغيير المعادلة؟
لماذا لا تتحول بعض الجمعيات إلى جمعيات إنتاجية وصناعية، تمتلك ورشًا ومشاريع ومصانع صغيرة، وتدرب أبناء الأسر المستفيدة على مهن يحتاجها السوق، ثم تمنحهم فرصة العمل والإنتاج؟
بدل أن نعطي الأسرة مبلغًا ينتهي خلال أسابيع، يمكن أن نساعد أحد أفرادها على امتلاك مهنة توفر له دخلًا مستمرًا. وبدل أن نمول مشروعًا خيريًا يستهلك التبرعات، لماذا لا نمول مشروعًا ينتج ويبيع ويعيد جزءًا من أرباحه إلى الجمعية لتمويل برامجها؟
هنا يكون المال الخيري قد تحول من مساعدة مؤقتة إلى أصل مستدام.
وأعتقد أن رجال الأعمال أمامهم فرصة كبيرة لإعادة تعريف مسؤوليتهم الاجتماعية. فالمسؤولية ليست فقط في تقديم شيك للجمعية والتقاط صورة، ثم تنتهي القصة. المسؤولية الأعمق هي أن تقدم خبرتك، وتفتح مصنعك للتدريب، وتساعد في التسويق، وتربط الجمعية بالأسواق، وتسهم في بناء مشروع قادر على الاستمرار. كما أن على الجمعيات نفسها أن تراجع أدواتها. فالشباب اليوم لا يريدون فقط أن يكونوا متطوعين في حملات موسمية؛ لديهم أفكار في التقنية والتجارة الإلكترونية والتسويق وريادة الأعمال، ويمكنهم أن يصنعوا نموذجًا مختلفًا للعمل الخيري. نحن بحاجة إلى ثورة هادئة في مفهوم الجمعية الخيرية.
جمعية لا يكون نجاحها بعدد السلال التي وزعتها، وإنما بعدد الأسر التي لم تعد بحاجة إلى السلة.
جمعية لا تقيس نجاحها بحجم التبرعات التي جمعتها، وإنما بحجم المشاريع التي أنشأتها والوظائف التي صنعتها.
جمعية لا تجعل المحتاج ينتظر التبرع، بل تمنحه المهارة والفرصة ليصبح منتجًا.
وهنا أتمنى من الجهات المعنية بالقطاع غير الربحي أن تشجع هذا الاتجاه، وأن تمنح الجمعيات الإنتاجية والصناعية حوافز وتسهيلات، وأن تفتح لها أبواب الشراكة مع القطاع الخاص.
فالمملكة اليوم لا تحتاج فقط إلى مزيد من الأيادي التي تعطي، بل تحتاج أيضًا إلى عقول تعرف كيف تحول العطاء إلى إنتاج.
وأقولها بكل صراحة: ليس النجاح أن نبقى نطعم المحتاج إلى الأبد، بل النجاح أن نساعده حتى يصبح قادرًا على إطعام نفسه وأسرته. هذه هي النقلة التي نحتاجها.
من جمعية توزع الخير إلى جمعية تصنع الخير. ومن ثقافة التبرع إلى ثقافة التمكين والإنتاج.
ومن مساعدة المحتاج إلى صناعة الإنسان القادر على الاستغناء عن المساعدة.