عبدالعزيز صالح الصالح
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سُورة النِّساء آية (1). وقال تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون} سُورة الزخرف آية (44).
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّته، فالأميرُ راعٍ والرَّجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ زوجها وولدِهِ، فكلكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ) متفق عليه.
عندما تنظر إلى الزَّمن الماضي، بطريقة مستفيضة تجد الأب فيه الآمر النَّاهي، والحاكم المطلق غير المتوج، ينادي فيتسابق أفراد المنزل إلى ندائه، ويشير فإشارته أمر، وطاعته غُنم، تحدثه الزوجة في خَفر وحياء، ويحدثه الابن في إكبار وإجلال، من سوء الأدب أن يرفع إليه بصره، أو يرد عليه قوله، أو يراجعه في رأى، أو يجادله في أمر من أمور الحياة.
أمَّا البنت فإذا حدثَّها لفَّ الحياء رأسها، وغضَّ الخجل طرفها، فهي قليلة الكلام، متحفظة الضِّحك، خافضة الصَّوت، تتوهم أنَّها قطعت الإشارة الحمراء في أتفه الأمور فيندى جبينها، ويصبغ الخجل وجهها، وإذا جاء حديث الزوج والزواج فإلى أمها الحديث لا إلى أبيها، وبالتلويح والتلميح لا بالتصريح والأمر إلى الأب فيما يقبل أو يرفض، وفيما يفعل وما لا يفعل.
وفي جملة الأمر فإن المنزل ينقسم إلى قسمين:
حاكم هو الأب، ومحكوم وهو سائر أفراد الأسرة، منه الأمر ومنهم الطاعة، له السيادة وعليهم الخضوع، يرسم الخطط وهم ينفذونها، يجلب الرزق ويتولى الإنفاق وهم يسيرون على ما رسم، وويل لمن عارض أو تبرَّم!! فإن أحسَّ الابن حاجة ملحَّة إلى مال، أو شعر بضرورة ملجئة إلى أكثر مما أخذ، لم يجرؤ أن يجابه بالطلب، إنما يحاور ويداور ويلمح ويرمز، فإن أعياه الأمر أدخل الأم كوسيط لعلها تستطيع أن تعبَّر تعبيراً أوضح وأصرح، وقلَّ أن ينجح.
وبجانب سلطة الأب الدنيوية كانت سلطته الدِّينيِّة، فهو يوقظهم قبل بزوغ الشمس ليصلوا صلاة الصبح جماعة داخل بيت من بيوت الله، ويسائلهم في أكثر الأوقات عن صلاتهم كيف صلوا، وعن وضوئهم كيف توضأوا، يعلم الجاهل ويؤم المتعلم، ويجمعهم حوله من آن يصلى بهم ويذكرهم ويعظمهم، ويقص عليهم قصص الأنبياء وحكايات الأولياء والصالحين.
وإذا ودع الإنسان ذلك الزمان والمكان بكل إيجابياته، وسلبياته، وحلوه ومره، واستقبل زمانا صار فيه الأبناء آباء والمرؤوس رئيساً والرئيس مرؤوساً. فإذا قالت المرأة لخطيبها: الكل أحرار، وأنا إنسانة وأنت إنسان، فإذا اعتززت بالكسب اعتززتُ بالإنفاق، وإن اعتززت بالرجولة اعتززتُ بالأنوثة، وإن اعتززت بأي شيء فأنا اعتز بمثله وبخير منه، فأنا وأنت شريكان لا سيد وأمه، ولا مالك ومملوك، لي كل الحقوق التي لك، وقد يكون على بعض الواجبات التي عليك، وقال الأبناء لأبيهم: إنا مخلوقون لزمان غير زمانك فاخضع لحكم الزمان، وقد نشأنا في زمن حرية في الآراء، وحرية في الأعمال، وحرية في التصرف، لا كما نشأت في جو من الطاعة والقيد والأسر والتقاليد، فمحال أن يسع ثيابك الضيِّقة اجسامنا، وتقاليدك العتيقة البالية نفوسنا، وقالوا بالحرف الواحد لقد قدناكم في المنزل وفي المال وفي العلم وفي رسم الخطط، فقد اصبحنا قادة وتكونون جنوداً لنا.
وقالت البنت: ليس في السَّماء!! رقصت أمنا فرقصنا، وشربت أمنا فشربنا، وشربت سراً فلتسمح لنا بحكم تقدم الزمان أن نشرب جهراً، فهذا جزء يسير من الإيجابيات والسلبيات التي يعانيها الآباء من أفراد الأسرة حالياً ارحموا عزيز قوم ذَلَّ!