مهدي العبار العنزي
تُقاس عظمة الأمم بما تختزنه في ذاكرتها الحضارية من قيم، وما تتمسك به في واقعها من شيم. وفي المملكة العربية السعودية، لا يمثل الكرم والتسامح مجرد سلوكيات عابرة أو مجاملات اجتماعية، بل هما فلسفة حياة ونسيج متين يربط الماضي بالحاضر، ويشكل ملامح الشخصية السعودية التي جمعت بين أنفة الصحراء ونبل الإسلام، لتصوغ للعالم نموذجاً فريداً في نبل الأخلاق وسعة الصدر.
في هذه الأرض المعطاءة، لم يكن الكرم يوماً نافلة قول أو استعراضاً للمظاهر، بل هو جزء أصيل من هويتها الوجدانية ونخوة أصلها. من دواوين اهل الباديه واهل القرى ومجالس الحضر، ظلت البيوت مفتوحة على مصراعيها، وجمر القهوة متقداً، والترحيب الحار بالقصّاد والضيوف ديدناً لا يتبدل. يُقاس قدر الكريم بمدى بشاشة وجهه قبل ما يقدمه على سُفرته؛ فالكرم السعودي يتجاوز بذل المادة إلى إشاعة الأمان، وتطييب الخاطر، وإيحاء الضيف بأنه في بيته وبين أهله.
وإذا كان الكرم هو السخاء باليد، فإن التسامح هو العطاء بالروح والتسامي عن الزلل. عُرف الإنسان في المملكة بشيمة العفو عند المقدرة، وجعل إصلاح ذات البين وسيلة لتقريب القلوب ورأب الصدع. التسامح هنا ليس ضعفاً ولا تراجعاً، بل هو دلالة على قوة النفس وسعة الفكر وأصالة معدنها.
ومع تطور الدولة واستقرارها، التحمت هذه الشيم العشائرية والاجتماعية بالأنظمة والمؤسسات، ليتحول التسامح إلى نهج دولة وحاضنة إنسانية؛ حيث تعيش على أرض المملكة عشرات الثقافات والجنسيات في تعايش تام، يظللهم العدل، ويحفظ كرامتهم القانون، في بيئة تنبذ العصبية وتُعلي من شأن الأخوة الإنسانية.
إن القيمة الحقيقية للتجربة السعودية تكمن في قدرتها على المحافظة على هذه المبادئ الشامخة وسط متغيرات العصر ومتطلباته. فمع النهضة الكبرى والرؤية الطموحة التي تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، لا تزال أصالة الموروث هي الركيزة التي يستند إليها الوطن. فالكرم يبني جسور التواصل مع العالم، والتسامح يفتح الآفاق للابتكار والتعايش والإبداع، مما يمنح المجتمع طاقة إيجابية ولحمة وطنية يستحيل اختراقها.
ولم تقف هذه الروح الإنسانية عند حدود الجغرافيا الوطنية، بل تعدتها لتصبح بصمة سعودية في المحافل الدولية؛ من خلال مد يد العون للمحتاجين، وإغاثة المنكوبين دون تمييز أو مفاضلة، ورعاية مبادرات الحوار بين أصحاب الأديان والثقافات المختلفة. إنها رسالة تؤكد أن الأرض التي روتها شيم النخوة والشهامة، ستظل يداها ممدودتين بالخير لكل بني البشر.
إن الحفاظ على هذه التركة العظيمة هو الرهان الأكبر والأجمل للأجيال القادمة. فالمباني تطاول السحاب، والتكنولوجيا تتجدد كل يوم، لكن القيم والأخلاق هي الثابت الذي يمنح المجتمع هويته وهيبته بين الأمم. وستبقى المملكة العربية السعودية بأذن الله بأصل رجالها وحكمة قيادتها ووفاء شعبها، منارة يستهدى بها في إقراء الضيف، وصفح القادر، ونصرة المظلوم واغاثةالملهوف، واحتضان العالم بروح ملؤها المحبة والسلام والتسامح والوئام والله من وراء القصد..