د. يحيى جابر
أواصل الكتابة في هذا التخصص المهم والمهارة في عالم الإعلام الذي يعتبر محيطاً هائلاً من التخصصات والمهارات والتنوع.. وحديثنا في هذا المقال والمقال السابق عن الصوت الإذاعي فلا يمكن فصل صوت المذيع عن شخصيته الإعلامية، فالصوت ليس مجرد أداة تقنية تستخدم لقراءة النص، وإنما هو أحد المكونات الأساسية التي تتشكل من خلالها صورة المذيع في ذهن الجمهور، وقد يستمع المشاهد إلى جملة قصيرة من مذيع يعرفه، فيتعرف إلى صاحبها قبل أن تظهر صورته على الشاشة، لأن الصوت مع مرور الوقت يتحول إلى جزء من الهوية الإعلامية، وهذه الهوية لا تتكون من طبقة الصوت وحدها، وإنما من مجموعة متداخلة من العناصر؛ طريقة نطق الكلمات، وسرعة الحديث، ومواقع الوقفات، ودرجة الانفعال، وطريقة طرح الأسئلة، وكيفية الانتقال من موضوع إلى آخر، ومدى قدرة المذيع على المحافظة على هدوئه في المواقف المفاجئة، وقد أظهرت دراسة اعتمدت على 450 تسجيلاً صوتياً لـ90 مذيعاً ومراسلاً أن الخصائص التنغيمية في الأداء الإعلامي يمكن تحليلها وقياسها، بما يؤكد أن الأداء الصوتي ليس انطباعاً عابراً، وإنما مجال يمكن دراسته بصورة علمية. «المصدرـ شون نيسن وآخرون، دراسة «العناصر التنغيمية لتقديم المحتوى في الصحافة الإذاعية»، جامعة بريغهام يونغ، الولايات المتحدة الأمريكية».
الكاريزما ليست ارتفاع الصوت
من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح في تدريب المذيعين الاعتقاد بأن قوة الحضور تعني ارتفاع الصوت وانخفاضه المستمر، فالصوت المرتفع قد يجذب الانتباه، لكنه لا يضمن الثقة، والصوت العميق قد يمنح صاحبه حضوراً معيناً، لكنه لا يصنع الكاريزما بمفرده، الكاريزما الإعلامية تقوم على قدرة المذيع على استخدام مجموعة من الأدوات في الوقت المناسب؛ نبرة هادئة عندما يحتاج الموضوع إلى الهدوء، ونبرة حازمة عندما تتطلب المعلومة ذلك، وتغيير محسوب في الإيقاع عندما ينتقل من فكرة إلى أخرى، وصمت قصير عندما تكون الوقفة أكثر تأثيراً من الكلام، وتشير أبحاث تناولت جاذبية الصوت وعلاقتها بفاعلية القيادة إلى أن خصائص الصوت يمكن أن تسهم في تكوين الانطباعات عن المتحدث، وأن جاذبية الصوت فسرت 12 % إضافية من التباين في تقديرات فاعلية القيادة بعد أخذ عدد من العوامل الأخرى في الاعتبار. «المصدر ـ تيموثي دي غروت وفيديريكو آيمي وسكوت جونسون ودونالد كلومبر.«هل يساعد الكلام على تحقيق التأثير؟ دراسة تأثير جاذبية الصوت في فاعلية القيادة»، المجلة الفصلية للقيادة، 2011م».
هذه النتيجة تمنح الصوت أهمية خاصة في الإعلام؛ لأن المذيع لا يقدم معلوماته في تقرير مكتوب فقط، وإنما يقدمها بصوته وحضوره أمام جمهور واسع، وعندما تصبح الوقفة جزءاً من الرسالة في الأداء الإعلامي، وليست كل لحظة صمت فراغاً، قد تكون الوقفة قبل معلومة مهمة وسيلة لجذب الانتباه، وقد تكون الوقفة بعد معلومة صادمة مساحة لاستيعابها، وقد يكون الصمت في الحوار أفضل من مقاطعة الضيف، ولهذا فإن المذيع الذي يخشى الصمت قد يتحدث أكثر مما ينبغي، أما المذيع الذي يعرف قيمة الصمت فيتعامل معه باعتباره جزءاً من الإيقاع، إن المشاهد لا يحتاج دائماً إلى مذيع يتحدث بلا توقف؛ بل يحتاج إلى مذيع يعرف متى يتحدث ومتى يترك للمعلومة فرصة كي تصل.
المذيع في الأخبار العاجلة
تظهر قيمة الكاريزما الصوتية بصورة أوضح في الأخبار العاجلة، ففي الظروف الطبيعية يستطيع المذيع الاعتماد على نص معد مسبقاً، لكن عند وقوع حدث مفاجئ قد يجد نفسه أمام معلومات متغيرة واتصالات مباشرة وأرقام تحتاج إلى تحديث مستمر، فهنا يصبح التحكم بالصوت ضرورة مهنية، فالمذيع المتوتر قد ينقل توتره إلى المشاهد، والمذيع الذي يتحدث بسرعة مفرطة قد يزيد احتمال عدم وضوح المعلومات، بينما يستطيع المذيع الهادئ أن يمنح الجمهور إحساساً بأن الموقف تحت السيطرة حتى عندما تكون المعلومات نفسها لا تزال قيد التحقق، وهذا لا يعني إخفاء خطورة الحدث، وإنما يعني الفصل بين خطورة المعلومة واضطراب المذيع.
الحوار يكشف الشخصية الحقيقية
في البرامج الحوارية، لا تكفي جودة الصوت وحدها، إذ أن المذيع يحتاج إلى القدرة على الاستماع، وإدارة الوقت، واختيار السؤال المناسب، والتعقيب في اللحظة المناسبة، ومن الأخطاء التي تضعف حضور بعض المذيعين أن يتحول السؤال إلى خطاب طويل، ثم يحاول المذيع مقاطعة الضيف قبل أن ينهي إجابته، وهنا تصبح الكاريزما رغبة في السيطرة بدلاً من أن تكون قدرة على إدارة الحوار، أما المذيع المحترف فيدرك أن قوة الشخصية لا تعني احتكار الحديث، قد يكون السؤال القصير أكثر تأثيراً من السؤال الطويل، وقد تكون لحظة الصمت بعد إجابة الضيف أكثر أهمية من تعليق طويل.
الصوت والصدق
المشاهد لا يمتلك جهازاً علمياً لقياس صدق المذيع، لكنه يبني انطباعات سريعة من خلال مجموعة من الإشارات، من بينها طريقة الكلام ونبرة الصوت وسرعته، وقد تناولت تجارب علمية هذا الجانب بصورة مباشرة، إذ شارك 394 شخصاً في تجربة، و412 في تجربة ثانية، و397 في تجربة ثالثة لدراسة العلاقة بين سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت وإدراك الثقة في المتحدث. «المصدرـ جوشوا غاير، ولياندرا فابريغار، وتوماس فون جونستون، «سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت: دراسة في انحيازات وإشارات الثقة الصوتية في الإقناع»، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، 2019م».
وهذا لا يعني أن نبرة معينة تضمن الثقة دائماً، وإنما يؤكد أن الصوت يدخل ضمن مجموعة الإشارات التي يستخدمها المتلقي في تكوين انطباعه عن المتحدث.
التدريب على الصوت قبل التدريب على الكاميرا
من المفيد أن تتعامل المؤسسات الإعلامية مع صوت المذيع باعتباره مهارة مستقلة تحتاج إلى تدريب منتظم، فالمذيع الجديد يستطيع أن يسجل صوته أثناء قراءة النص، ثم يعيد الاستماع إليه، ويرصد السرعة والوضوح والوقفات والتنغيم وتكرار الكلمات، بعد ذلك يمكن إعادة القراءة مع تعديل عنصر واحد فقط في كل مرة، فمرة يركز على السرعة، ومرة أخرى على الوقفات، وأخرى على وضوح الحروف، ومرة على التنغيم، وكذلك على التعبير، بهذه الطريقة يتحول التدريب من نصائح عامة مثل «كن أكثر حيوية» أو «اخفض صوتك» إلى تدريب محدد يمكن ملاحظته وتطويره، وقد أظهرت الدراسات الصوتية التي حللت مئات التسجيلات الإعلامية أن خصائص مثل طبقة الصوت وتغيرها ومدى تغيرها قابلة للتحليل، وهو ما يفتح المجال أمام برامج تدريب أكثر دقة للمذيعين، «المصدر- نيسن وآخرون، جامعة بريغهام يونغ، الولايات المتحدة الأمريكية».
هل يمكن صناعة الكاريزما؟
الكاريزما ليست كلها موهبة فطرية، قد يمتلك بعض الأشخاص حضوراً طبيعياً، لكن جزءاً كبيراً من الحضور الإعلامي يمكن تطويره بالتدريب، فالمذيع يستطيع تعلم التنفس الصحيح، والتحكم في السرعة، واستخدام الوقفات، وتغيير النبرة، والتعبير عن المشاعر، والاستماع، والتعامل مع المواقف المفاجئة، لكن التدريب لا يعني صناعة نسخة متشابهة من جميع المذيعين، وعلى العكس، الهدف هو اكتشاف شخصية كل مذيع وتطويرها، فالمطلوب ليس أن يصبح جميع المذيعين أصحاب الصوت نفسه، وإنما أن يمتلك كل واحد منهم صوتاً مهنياً وشخصية إعلامية واضحة.
التكنولوجيا لا تصنع الحضور
يمكن للتقنيات الحديثة تحسين نقاء الصوت، وتقليل الضوضاء، ومعالجة بعض المشكلات الفنية، لكنها لا تستطيع أن تمنح المذيع الثقة أو الذكاء أو سرعة البديهة أو القدرة على التعبير، فالبرنامج يستطيع أن يحسن التسجيل، لكنه لا يستطيع أن يقرر أين يتوقف المذيع، والميكروفون يستطيع أن ينقل الصوت بوضوح، لكنه لا يستطيع أن يمنح الجملة إحساسها، والكاميرا تستطيع أن تظهر الوجه، لكنها لا تستطيع أن تصنع الشخصية، ولهذا فإن التطور التقني يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير الإنسان.
المذيع العربي والحاجة إلى مختبرات صوتية
تحتاج المؤسسات الإعلامية العربية إلى التفكير في إنشاء مختبرات متخصصة لتدريب أصوات المذيعين وتحليل أدائهم، بحيث لا يقتصر التقييم على جودة المحتوى والمظهر واللغة، ويمكن أن يتضمن التقييم سرعة الكلام، ووضوح النطق، وتنوع طبقة الصوت، واستخدام الوقفات، والتنفس، والتحكم في شدة الصوت، والقدرة على التعبير، والتوافق بين الصوت ولغة الجسد، وبذلك تتحول عملية اختيار المذيع وتطويره من الذوق الشخصي وحده إلى مزيج من الخبرة المهنية والقياس العلمي والملاحظة الجماهيرية
من المذيع القارئ إلى المذيع المؤثر، المذيع القديم كان يقاس في كثير من الأحيان بقدرته على قراءة النص بصورة سليمة، أما المذيع الحديث فيحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك، إنه يحتاج إلى فهم المعلومة، وإدراك طبيعة الجمهور، والقدرة على إدارة الحوار، والتعامل مع الأخبار العاجلة، والتحكم في الانفعال، واستخدام الصوت والصورة ولغة الجسد باعتبارها منظومة واحدة، وهنا يتحول دور المذيع من قارئ للنص إلى صانع للتجربة الإعلامية، فالمشاهد لا يريد فقط أن يعرف ماذا حدث، وإنما يريد أن يفهمه ويستوعبه ويثق بالطريقة التي قدم بها.
الصوت الذي يصنع الذاكرة
في النهاية، لا يمكن اختزال الكاريزما الإعلامية في جمال الصوت، كما لا يمكن اختزالها في ملامح الوجه أو الملابس أو الحضور أمام الكاميرا، الكاريزما هي منظومة متكاملة، والصوت أحد أهم مكوناتها، إن طبقة الصوت، والتنغيم، والسرعة، والوقفات، والتنفس، وشدة الصوت، كلها أدوات يستطيع المذيع من خلالها أن يمنح الكلمات حياة وإيقاعاً ومعنى، وقد أظهرت الدراسات أن هذه الخصائص الصوتية يمكن تحليلها وقياسها، وأنها ترتبط بإدراك الجمهور للثقة والجاذبية وفاعلية المتحدث؛ من دراسة 450 تسجيلاً لـ90 مذيعاً ومراسلاً، إلى تجارب شارك فيها 394 و412 و397 شخصاً لدراسة أثر الخصائص الصوتية في إدراك الثقة، «المصدر- نيسن وآخرون، جامعة بريغهام يونغ، الولايات المتحدة الأمريكية؛ غاير وفابريغار وفون جونستون، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، 2019م».
ومن هنا فإن المؤسسات الإعلامية التي تريد بناء مذيعين قادرين على المنافسة في عصر الفضائيات والمنصات الرقمية، مطالبة بأن تنظر إلى الصوت باعتباره جزءاً من رأس المال الإعلامي للمذيع، فالصوت الجيد يجذب الأذن، والأداء الجيد يحافظ على الانتباه، والمعلومة الجيدة تخاطب العقل، أما الكاريزما الحقيقية فتجمع هذه العناصر كلها في شخصية واحدة، والمذيع الذي ينجح في هذه المعادلة لا يحتاج إلى أن يرفع صوته حتى يُسمع، ولا إلى أن يبالغ في حركاته حتى يُرى، ولا إلى أن يتصنع شخصية ليست شخصيته، يكفي أن يكون حاضراً، واضحاً، واثقاً، صادقاً، ومتقناً لفن استخدام صوته، ففي عالم تتنافس فيه مئات القنوات والمنصات على لحظة من انتباه المشاهد، قد لا تكون المشكلة في أن الجمهور لا يسمع المذيع، وإنما في أن هناك آلاف الأصوات التي تتحدث في الوقت نفسه، وهنا تظهر قيمة الكاريزما.
أن يكون للمذيع صوتٌ يُعرف، ونبرةٌ تُفهم، وحضورٌ يُتذكر، ورسالةٌ تستحق الاستماع، فالمذيع الحقيقي لا يكتفي بأن يصل صوته إلى أذن المشاهد؛ بل يجعل صوته جسراً بين المعلومة والعقل، وبين الخبر والشعور، وبين الشاشة والجمهور، وعندما ينجح في ذلك، تتحول الكلمات إلى إيقاع، والإيقاع إلى حضور، والحضور إلى ثقة، والثقة إلى علاقة طويلة بين المذيع والمشاهد، وهنا تحديداً تصبح «الموسيقى الصوتية» للمذيع أكثر من مجرد نبرة أو إيقاع؛ إنها هوية إعلامية كاملة تتحدث قبل الكلمات، وتبقى في الذاكرة بعد انتهاء النشرة والبرنامج، ومن أبرز الإعلاميين العرب ففي الـbbc حسن الكرمي - فلسطين، محمد عبدو - مصر، غسان شربل - لبنان، نضال قسوم - الجزائر، نادر دياب - لبنان، نزيه الأحدب - لبنان، عادل درويش - مصر، ديانا مقلد - لبنان، هيفاء جواد - العراق، صفاء صبحي - مصر، نوال مقطوف - لبنان، ندى عبدالصمد - لبنان، رانيا العطار - العراق، ديمة الخطيب - سوريا، خليل الهاشمي الإدريسي - المغرب، محمد الحداد - تونس، أكرم خزام - سوريا، عمار عبد الحميد - مصر، بشير نافع - السودان، يأتي الإعلامي السعودي حسين النجار، وصلاح الغيدان، عبدالله الشهري، وغالب كامل، وسليمان العيسى، وحامد الغامدي وعبدالله المديفر، ومحمد خيري داود الشريان نموذجاً مختلفاً في الحضور والحوار المباشر والقدرة على الاقتراب من الضيف والمشاهد في الوقت نفسه، والإعلامي نايف الأحمري قناة العربية، والإعلامي الفلسطيني سامي حداد والمصري عمرو أديب وعماد الدين أديب، ومن قناة العربية مثل مذيعي الأخبار الذين يجمعون بين اللغة العربية الواضحة والأداء التلفزيوني المنضبط، ومنهم الإعلامي السعودي خالد مدخلي، والإعلامي السعودي طاهر بركة، والكاريزما التي لابد أن يتمتع بها الإعلامي العربي خصوصاً مقدمي البرامج المرئية هي مزيج من الثقة والمعرفة والحضور واللغة والتفاعل، ولهذا فإن الإعلامي المتميز هو الذي يجعل المشاهد يشعر بأن المعلومة مهمة، وفي حال كان حوار يشعر بالمتحدث أمامه واثق، وأن الحوار يستحق المتابعة، وأن الصوت ليس مجرد وسيلة لنقل الكلمات، بل وسيلة لصناعة المعنى والتأثير.
أخيراً
من هذا نعي أن المذيع عملة نادرة كالفنان الذي يرسم لوحة جميلة أو المطرب صاحب الصوت الشجي، أو لاعب الكرة النجم، فأن امتلكت موهبة الصوت وحب القراءة والتحليل والإعلام فطور من موهبتك مباشرة وأعرف أن هذا يضيف لك الكثير، كذلك المنصات الإعلامية أبحثوا عن الكوادر المميزة وأهلوها لتصبح رصيد إعلامي فريد من إنتاجكم.
الإعلام مهنة نوعية وممتعة حال توافر كافة المهارات ووجود بيئة صحية تساعد على التطوير والتطور والإبداع، والمذيع أو مقدم البرامج تاج هذه العملية عندما يمتلك الثقافة والمهارة والموهبة في الصوت قبل كل شيء، وهذه الأمور التي تصقل وتطور ومن ثم تقدم لنا مذيعاً قوياً ومحاوراً فذاً مثقفاً وواثقاً من نفسه، ليخرج على الشاشة إعلامي محترف شكلاً ومضموناً وإبداعاً، وموسيقى صوتية لا تنسى.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام