د. عبدالمحسن الرحيمي
ظلت الملكية عبر آلاف السنين أحد أكثر المفاهيم استقرارًا في التاريخ الاقتصادي. تغيرت العملات، وتعاقبت الحضارات، وتبدلت النظم الاقتصادية، لكن جوهر الملكية بقي كما هو. واليوم، قد يقف العالم أمام أول تحول حقيقي يعيد تعريف هذا المفهوم منذ ظهور الشركات المساهمة، ليس بفعل قانون جديد، بل نتيجة تطور اقتصادي وتقني يعرف بـ«ترميز الأصول».
فعلى امتداد التاريخ، تغيرت وسائل إثبات الملكية، لكنها لم تغير طبيعتها. انتقل الإنسان من النقوش الحجرية إلى الوثائق الورقية، ثم إلى السجلات الإلكترونية، بينما بقي الأصل كما هو، والحقوق المرتبطة به كما عرفها الإنسان منذ قرون. أما اليوم، فإن العالم لا يكتفي برقمنة الوثائق، بل يتجه إلى رقمنة الأصل نفسه، بما يفتح الباب أمام نماذج جديدة لإدارة الملكية وتداولها.
ورغم أن مصطلح ترميز الأصول يبدو تقنيًا، فإن مضمونه اقتصادي بالدرجة الأولى. فهو لا يعني تحويل العقارات أو المصانع أو المشروعات إلى عملات رقمية، وإنما تمثيل حقوق الملكية المرتبطة بهذه الأصول في صورة وحدات رقمية موثقة يمكن إدارتها وتداولها ضمن بيئة رقمية آمنة وشفافة، مع المحافظة على الأطر القانونية والتنظيمية. ومن هنا، فإن الحديث لا يدور عن ابتكار وسيلة جديدة للتداول، بل عن إعادة بناء البنية التي تقوم عليها الملكية نفسها.
ولم يعد هذا التحول مجرد تصور نظري. فقد بدأت مؤسسات مالية عالمية كبرى ومديرو أصول في تنفيذ مشروعات لترميز السندات، وصناديق الاستثمار، والأصول العقارية، في حين انتقلت الفكرة من المختبرات التقنية إلى التطبيقات المؤسسية. وتشير تقديرات شركة «ماكنزي» إلى أن القيمة السوقية للأصول المرمزة، باستثناء العملات المشفرة والعملات المستقرة، قد تصل إلى نحو تريليوني دولار بحلول عام 2030، مع إمكانية نموها إلى ما يقارب أربعة تريليونات دولار إذا تسارع تبني الأسواق لهذا النموذج. ويعكس ذلك أن ترميز الأصول لم يعد مشروعًا تقنيًا محدودًا، بل أصبح أحد المسارات المحتملة لإعادة تشكيل البنية التحتية للأسواق المالية العالمية.
ويؤكد الواقع المؤسسي هذا الاتجاه بصورة أوضح. فقد دخلت مؤسسات مالية عالمية مثل «بلاك روك»، و«جي بي مورغان»، و«فرانكلين تمبلتون» مرحلة تطوير وإطلاق منتجات مالية تعتمد على ترميز الأصول، بهدف رفع كفاءة التسويات المالية، وتقليل تكاليف التشغيل، وتسريع انتقال الملكية، وإتاحة نماذج جديدة للاستثمار. ولم يعد السؤال المطروح داخل هذه المؤسسات: هل يمكن تطبيق ترميز الأصول؟ بل أصبح: كيف يمكن توسيع نطاق تطبيقه ليصبح جزءًا من البنية الأساسية للأسواق المالية في المستقبل؟
ولتقريب الصورة، تخيل مبنى تجاريًا تبلغ قيمته مليار ريال. في النموذج التقليدي، يبقى الأصل مملوكًا لعدد محدود من المستثمرين، وتنتقل ملكيته عبر إجراءات قانونية وإدارية قد تستغرق وقتًا طويلًا وتكلفة مرتفعة.
أما في نموذج ترميز الأصول، فيمكن تمثيل حقوق الملكية في هذا المبنى بوحدات رقمية موثقة، تتيح نقل الحقوق وتسوية المعاملات بكفاءة أعلى، مع بقاء الأصل نفسه خاضعًا للأنظمة والقوانين المنظمة للملكية. وهكذا لا يتغير المبنى، وإنما تتغير الطريقة التي تُدار بها حقوق ملكيته وتنتقل بين المستثمرين.
ولهذا لم يعد ترميز الأصول قضية تخص شركات التقنية وحدها، بل أصبح محور اهتمام البنوك الاستثمارية، ومديري الأصول، والجهات التنظيمية، وأسواق المال. فالعقارات، والسندات، والأسهم، وصناديق الاستثمار، والملكية الفكرية، ومشروعات البنية التحتية، وحتى الأصول البيئية، أصبحت جميعها مرشحة للدخول في اقتصاد جديد تتقاطع فيه الأسواق التقليدية مع التقنيات الرقمية.
ولا تكمن أهمية هذا التحول في أنه يجعل الأصول رقمية فحسب، بل لأنه يعيد صياغة العلاقة بين الأصل ومالكه. فالأصول التي كانت تُدار بإجراءات طويلة ومعقدة يمكن أن تصبح أكثر كفاءة في التوثيق، وأسرع في نقل الحقوق، وأكثر شفافية في الإدارة، مع إتاحة نماذج جديدة للملكية الجزئية والاستثمار لم تكن ممكنة في النظم التقليدية. وهنا لا تتغير الأداة فقط، بل تتغير الفلسفة الاقتصادية التي تقوم عليها إدارة الثروة.
ولهذا، لم تعد المنافسة العالمية تدور حول تطوير العملات الرقمية وحدها، بل حول بناء البيئة التشريعية والتقنية القادرة على استيعاب اقتصاد الأصول الرقمية. فالتقنية، مهما بلغت من التطور، لا تستطيع أن تعيد تشكيل الأسواق دون منظومة متكاملة تشمل التشريع، والهوية الرقمية، وحوكمة البيانات، والثقة المؤسسية. ولهذا تتجه الاقتصادات المتقدمة إلى تطوير أطر تنظيمية تتيح الاستفادة من هذا التحول مع المحافظة على استقرار الأسواق وحماية الحقوق.
وفي هذا السياق، تتحرك المملكة العربية السعودية بخطوات متسارعة لبناء البيئة التي يتطلبها هذا التحول، من خلال تطوير الاقتصاد الرقمي، والهوية الرقمية، والبيئات التنظيمية التجريبية، والتقنيات المالية، إلى جانب مبادرات ترميز الأصول العقارية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن الاقتصاد العالمي يتجه تدريجيًا نحو أصول رقمية منظمة، وأن بناء البيئة التشريعية والتقنية منذ اليوم قد يمنح المملكة ميزة تنافسية في أسواق ستتشكل ملامحها خلال العقد القادم.
وعندما ظهرت الشركات المساهمة في القرن السابع عشر، لم يكن التحول الحقيقي في إصدار الأسهم، بل في إعادة تعريف مفهوم الملكية ذاته؛ إذ أصبح بالإمكان امتلاك جزء من مشروع ضخم لم يكن الفرد قادرًا على امتلاكه منفردًا. وقد يمثل ترميز الأصول اليوم تحولًا مشابهًا، لكنه يحدث في العصر الرقمي، حيث يمكن إعادة تصميم طرق التملك والاستثمار وإدارة الحقوق بصورة أكثر مرونة وكفاءة، وبما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد.
وإذا كانت الثورة الصناعية قد غيرت طريقة الإنتاج، والثورة الرقمية غيرت طريقة تداول المعلومات، فهل يشهد العالم اليوم ثورة ثالثة تعيد تعريف مفهوم الملكية نفسه؟ وهل يصبح الأصل الاقتصادي في المستقبل مزيجًا من القيمة المادية والبنية الرقمية التي تدير حقوقه؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين قد تحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
إن العالم لا يقف اليوم أمام تحديث تقني عابر، بل أمام تحول قد يعيد تشكيل أحد أكثر المفاهيم رسوخًا في التاريخ الاقتصادي. لقد أعادت الثورة الصناعية تعريف الإنتاج، وأعادت الثورة الرقمية تعريف المعلومات، وربما يعيد ترميز الأصول تعريف الملكية نفسها. وعندها لن يكون السؤال: كيف نرقمن الأصول؟ بل: كيف نبني اقتصادًا تصبح فيه الملكية أكثر سيولة، وأكثر شفافية، وأكثر قدرة على توليد القيمة؟ فالثورات الاقتصادية الكبرى لا تبدأ عندما تتغير الأدوات، بل عندما يتغير المفهوم الذي تقوم عليه تلك الأدوات، ويبدو أن مفهوم الملكية يقف اليوم على أعتاب واحدة من أكبر تحولاته منذ قرون.