أنس تشكالا
لم يكن الإنسان في أي وقت مضى محاطاً بهذا العدد الهائل من الناس كما هو اليوم، ومع ذلك يبدو أن الوحدة أصبحت أكثر حضوراً في حياتنا. نفتح هواتفنا فنجد مئات الأسماء، ونتنقل بين المنصات فنرى آلاف الوجوه، ونقرأ عشرات الرسائل، لكننا قد نغلق الشاشة في نهاية اليوم ونحن نشعر بأننا لم نتحدث حقاً مع أحد.
هذه هي المفارقة الغريبة في عصرنا: لقد أصبحت المسافات أقصر، لكن القلوب قد تكون أبعد. نستطيع أن نرى من نحب في أي لحظة، ونسمع أصواتهم من خلف القارات، ونشاركهم تفاصيل يومنا بضغطة واحدة، ومع ذلك فقد أصبح التواصل في كثير من الأحيان أكثر سرعة وأقل عمقاً.
لم تعد العزلة تعني أن يجلس الإنسان وحيداً في غرفة مغلقة. قد يكون الإنسان وسط عائلته، وبين أصدقائه، وفي مكان عام مزدحم، لكنه يعيش عزلة داخلية لا يراها أحد. يجلس مع الآخرين، لكن عينيه معلقتان بشاشة؛ يستمع إلى حديث، بينما ينتظر إشعاراً؛ يشارك في مجلس، لكنه حاضر بجسده وغائب بانتباهه.
لقد غيّرت الهواتف الذكية شكل وجودنا مع الآخرين. في الماضي، كان الصمت بين شخصين قد يكون فرصة للتأمل أو بداية حديث، أما اليوم فقد أصبح الصمت غالبًا دعوة إلى إخراج الهاتف. وإذا توقف الحديث للحظات، سرعان ما تمتد اليد إلى الشاشة، وكأننا أصبحنا نخشى البقاء مع أنفسنا حتى لوقت قصير.
المشكلة ليست في الهاتف نفسه، ولا في التقنية التي قدمت للإنسان خدمات لا تحصى. المشكلة تبدأ حين تتحول الأداة إلى بيئة نعيش داخلها، وحين يصبح حضورنا الرقمي أقوى من حضورنا الحقيقي. فالتقنية يمكن أن تقرّب البعيد، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا بالضرورة دفء القرب.
فثمة فرق كبير بين أن تعرف أخبار شخص وأن تعرف حاله، وبين أن ترى صورته وأن ترى التعب في عينيه، وبين أن تضع إعجابًا على منشوره وأن تجلس إلى جواره عندما يحتاج إلى من يسمعه. إن العلاقات الإنسانية لا تُبنى بعدد الرسائل، وإنما بصدق الحضور.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي صنعت نوعًا جديدًا من العلاقات؛ علاقات كثيرة في العدد، لكنها أحيانًا فقيرة في العمق. نعرف عشرات الأشخاص، لكننا لا نملك الوقت للجلوس مع أحدهم. نتابع حياة الآخرين، لكننا قد لا نعرف ما الذي يحدث في حياة أقرب الناس إلينا.
بل إن الإنسان قد يصبح مدمنًا على الشعور بأنه محاط بالآخرين. يكفي أن يرى الإشعارات تتوالى، والتعليقات تتزايد، حتى يشعر أنه ليس وحيدًا. لكن هذا الشعور قد يتبدد سريعًا عندما يضع الهاتف جانبًا. عندها يكتشف أن كثرة التفاعل الرقمي لا تعني بالضرورة وجود علاقة إنسانية حقيقية.
من المفارقات أيضًا أن العالم الرقمي شجعنا على عرض حياتنا بدل عيشها. نلتقط صورة قبل أن نتأمل اللحظة، ونفكر في كيفية مشاركة التجربة قبل أن نعيشها، ونبحث عن الزاوية التي ستجذب الآخرين بدل أن نسأل أنفسنا: هل استمتعت أنا بهذه اللحظة؟
وهكذا أصبحت بعض اللحظات تعيش مرتين: مرة أمام أعيننا، ومرة أمام جمهورنا الافتراضي. وربما كانت المشكلة أن الثانية بدأت تطغى على الأولى.
إن الإنسان يحتاج إلى أن يشعر بأنه مرئي، لكنه لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون معروضًا. يحتاج إلى شخص يعرفه بعيدًا عن صورته العامة، ويستمع إليه دون أن ينتظر منه محتوى، ويعرف صمته كما يعرف كلامه. وهذا النوع من العلاقات لا تصنعه الخوارزميات، ولا يمكن اختصاره في عدد المتابعين.
ولذلك فإن مقاومة العزلة الرقمية لا تعني أن نهجر التقنية أو نعود إلى زمن بلا هواتف. ذلك أمر غير واقعي، ولا هو المطلوب. المطلوب أن نستعيد نحن السيطرة على أدواتنا، وأن نتذكر أن التقنية وسيلة وليست وطنًا بديلًا.
قد يبدأ الأمر بعادات صغيرة: أن نضع الهاتف جانبًا أثناء الطعام، وأن ننظر في وجه من يحدثنا، وأن نزور شخصًا بدل الاكتفاء برسالة، وأن نتصل بمن نحب دون مناسبة، وأن نترك لأنفسنا بعض الوقت بلا شاشة.
وقد يكون أجمل ما نستعيده هو فن الحضور. أن تكون مع شخص وأنت معه فعلًا؛ لا مع إشعاراتك، ولا مع أخبار الآخرين، ولا مع عشرات المحادثات المفتوحة في ذهنك. أن تمنح من أمامك انتباهك الكامل، لأن الانتباه في زمن التشتت أصبح أحد أصدق أشكال المحبة.
كما أننا بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف قيمة اللقاءات البسيطة. فجلسة عائلية بلا هواتف قد تبدو أمرًا عاديًا، لكنها قد تكون من أثمن لحظات اليوم. ومشي قصير مع صديق قد يترك في النفس أثرًا لا تتركه ساعات من المحادثات الرقمية. وكوب قهوة في مجلس هادئ قد يعيد إلى الإنسان شيئًا من إنسانيته التي تستهلكها السرعة.
إن العزلة الرقمية لا تبدأ عندما ينقطع الإنسان عن العالم، بل ربما تبدأ عندما يصبح متصلًا بالعالم كله، ومنقطعًا عن القريب منه.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كم ساعة نقضي أمام شاشاتنا؟ بل: ماذا يحدث لعلاقاتنا ونحن نقضي هذه الساعات؟ هل أصبحنا أكثر قربًا ممن نحب، أم أننا نستبدل القرب الحقيقي بحضور افتراضي لا يشبع الحاجة الإنسانية إلى الأنس؟
في النهاية، لن يكون الهاتف هو الذي يقرر شكل حياتنا، بل الطريقة التي نستخدمه بها. يمكن للشاشة أن تكون نافذة إلى العالم، لكنها لا ينبغي أن تصبح جدارًا بيننا وبين من يعيشون معنا.
فالإنسان، مهما تطورت تقنياته، سيظل يحتاج إلى صوت يسمعه، ووجه يطمئنه، ويد تصافحه، وقلب يشعر به. وقد نملك اليوم وسائل لا حصر لها للتواصل، لكن أجمل أشكال التواصل ربما لا تزال أبسطها: أن نضع الهاتف جانبًا، وننظر إلى من أمامنا، ونقول له: أنا هنا.. أسمعك.