عمرو أبوالعطا
ليست العدالة جدرانًا عالية، ولا منصة خشبية يجلس خلفها القاضي، ولا أوراقًا مختومة تحمل أسماء الخصوم. العدالة في جوهرها حقيقة تبحث عن طريقها إلى الظهور. قد يكون الطريق دليلًا مكتوبًا، أو قرينة مادية، أو شهادة إنسان يقف أمام المحكمة ليقول ما رأى وسمع وعلم. في تلك اللحظة يتحول لسان الشاهد إلى أمانة عامة، ويصبح كلامه قادرًا على تغيير مصير إنسان، أو رد حق إلى صاحبه، أو فتح باب نجاة أمام مظلوم.
حين يدخل الكذب إلى موضع الشهادة، يتحول الكلام إلى اعتداء على ميزان العدالة. فشهادة الزور تزوّر صورة الواقع في ذهن القاضي، وتدفع القرار إلى طريق رسمته رواية مصطنعة. قد ينطق الشاهد بجملة قصيرة ثم يغادر المحكمة، بينما تظل جملته معلقة في حياة إنسان آخر: في سجنه، أو فقره، أو فقدان حضانته، أو انهيار سمعته، أو ضياع حقه.
شهادة الزور تعني تعمد الإنسان الإدلاء بقول غير صحيح أمام جهة مختصة، مع علمه بعدم صحته وقصده التأثير في نتيجة قضية أو تحقيق أو إجراء رسمي. وقد تأتي في صورة اختلاق واقعة لم تحدث، أو إنكار حقيقة معلومة، أو كتمان جزء جوهري من المعلومات، أو تحريف واقعة صحيحة حتى تنقلب دلالتها. وتقتضي الدقة التمييز بينها وبين الخطأ العادي؛ فقد ينسى الشاهد تاريخًا، أو يخطئ في تقدير مسافة، أو يختلط عليه ترتيب الأحداث. الخطأ لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة ما لم يثبت التعمد والعلم بالكذب، وتشترط بعض النظم القانونية اتصال القول بمسألة جوهرية قادرة على التأثير في نتيجة الإجراء القضائي.
هنا تظهر المسافة بين الذاكرة والضمير. الذاكرة قد تخون صاحبها دون قصد، أما الضمير فيعرف الحقيقة ثم يختار دفنها. لذلك يرتبط جوهر شهادة الزور باجتماع الكذب والإرادة، والقول والعلم، والمعلومة وقصد التضليل.
جاء التحذير القرآني من الزور واضحًا في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30]. ويكشف اقتران قول الزور بالتحذير من الأوثان عن خطورة الكلمة الكاذبة حين تتخذ صورة الحق؛ فالزور يمنح الكذب هيئة الحقيقة، ويدفع الآخرين إلى التعامل معه باعتباره واقعًا ثابتًا.
وقال تعالى في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]. ترسم الآية شخصية أخلاقية تبتعد عن الباطل ولا تمنحه حضورها. فالزور قد يأتي في شهادة منطوقة، وقد يظهر في مشاركة رواية يعرف الإنسان بطلانها، أو تواطؤ مع الظلم، أو سكوت يقع في موضع يتوقف فيه إنقاذ الحق على كلمة صادقة.
ويضع القرآن قاعدة الشهادة العادلة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]. إنها دعوة إلى تجاوز سلطان القرابة والمصلحة والخوف. فالحق يظل حقًا مع الخصم، والباطل يظل باطلًا مع القريب والصديق. ويؤكد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. فالعداوة لا تبرر الكذب، والمحبة لا تبرر التحيز.
وقد ينشأ الزور من رغبة في الانتقام من إنسان، أو من رغبة في إنقاذ إنسان. في الحالتين تستبدل العاطفة بالعدل، ويصبح الشاهد طرفًا في الخصومة بدل أن يكون عينًا على الحقيقة.
وجاء التحذير النبوي شديدًا في الحديث الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. رواه البخاري ومسلم.
تكشف الرواية عن شدة الاهتمام بهذا الذنب؛ فقد تكرر التحذير حتى ظهر أثره على الصحابة. وشهادة الزور تتجاوز في آثارها الكذب الفردي، لأن الكذبة تدخل مؤسسة يفترض أنها تبحث عن العدل، وقد تتحول إلى حكم رسمي يصعب تدارك نتائجه.
ومن المنظور الديني يرتبط الإثم بالكذب وبما ينتج عنه من ظلم. فإذا شهد شخص زورًا ليُسجن بريء، اجتمع في فعله إثم الكذب والإعانة على العدوان. وإذا شهد لانتزاع مال من صاحبه، ارتبط الكذب بأكل المال بالباطل. وإذا شهد في قضية أسرية فأفسد علاقة أو حرم طفلًا من أحد والديه، امتد أثر الذنب إلى أطراف أكثر ضعفًا.
لذلك ترتبط التوبة من شهادة الزور بأكثر من الندم الداخلي. الندم بابها الأول، ويأتي معه تصحيح الأثر ورد الحق وإبلاغ الحقيقة إلى الجهة المختصة بقدر الاستطاعة. لا يكتمل المعنى الأخلاقي للتوبة مع استمرار الظلم الناتج عن الشهادة.
وتترك شهادة الزور أثرًا عميقًا في الضمير؛ فهي تصنع انفصالًا بين ما يعرفه الإنسان وما يقوله. يعرف الحقيقة، ثم يصنع بلسانه حقيقة بديلة. ومع تكرار هذا الانفصال يضعف الإحساس بالمسؤولية، ويتحول الكذب إلى سلوك مألوف، وتصبح المصلحة الخاصة معيارًا للحكم على الأشياء. كما يتضرر المجتمع الذي يتسامح مع الزور، لأن الناس يتعلمون أن الحق يحتاج إلى نفوذ أو شاهد منحاز حتى ينتصر. ومع الوقت تتراجع الثقة في القضاء وتزداد الخصومات ويصبح الوصول إلى الحق أكثر كلفة.
قانونيًا، تعد شهادة الزور في كثير من النظم جريمة مستقلة، لأن القانون يحمي نزاهة الإجراءات القضائية ذاتها. وتتكون الجريمة عادة من قول كاذب أو كتمان جوهري أمام محكمة أو جهة مختصة بسماع الشهود، مع توافر العلم والقصد، وأداء اليمين في النظم التي تجعله عنصرًا من عناصر الجريمة.
يمكن تصور قضية يتهم فيها شخص بالاعتداء، ولا يوجد في الملف سوى شهادة شاهد يدعي أنه رأى الواقعة. يقف أمام القاضي ويذكر زمانًا ومكانًا لم يكن حاضرًا فيهما، مدفوعًا بخصومة أو منفعة. تصدر الإدانة، ويفقد المتهم حريته وسمعته، ثم يظهر تسجيل أو شاهد آخر يكشف اختلاق الرواية. هنا قد يتحرك الادعاء العام ضد الشاهد، وقد يطلب المحكوم عليه إعادة النظر في الحكم عند توافر الشروط القانونية.
دينيًا، يتجاوز الأمر العقوبة القضائية، لأن الشاهد أصبح سببًا في ظلم إنسان، وحمل تبعة كلمة أخرجت الباطل في صورة الحق.
وقد تأتي الصورة في قضية مالية. شاهد يعلم أن عقدًا سُددت قيمته، ثم يكتم الحقيقة لأن أحد أقاربه يطالب بالدين مرة أخرى. قد لا ينطق بكذبة مباشرة، لكنه يخفي واقعة جوهرية في موضع يتطلب البيان. وإذا أدى الكتمان إلى حكم مالي جائر، فقد تنشأ مسؤولية قانونية وفق النص النافذ، ويبقى الأثر الديني قائمًا من حيث المشاركة في أكل مال الغير بالباطل.
لا يكفي رفع العقوبات القانونية إذا غاب الوعي الأخلاقي. الردع القانوني يأتي بعد وقوع الجريمة، أما الدين والضمير فيعملان قبلها، حين يكون الشاهد وحده مع الحقيقة. هناك يتحدد معنى الأمانة: هل يقول ما يرضي صاحب القوة، أم ما يطابق الواقع؟ هل ينصر القريب لأنه قريب، أم ينصر الحق لأنه حق؟
وفي المقابل، يجب الحذر من استخدام التهديد بشهادة الزور لإسكات الشهود أو الضغط عليهم. التناقض في الأقوال لا يعني تلقائيًا الكذب، ومخالفة شهادة لمصلحة أحد لا تجعلها شهادة زور. يجب إثبات التعمد والعلم وجوهرية الواقعة وفق القانون المعمول به، مع احترام أصل البراءة. حماية العدالة تقتضي معاقبة الكذب المتعمد، مع منع تحويل الاتهام إلى وسيلة انتقام.
ولا يتطابق الجزاء الديني مع الجزاء القانوني، وإن التقيا في حماية الحق وردع الظلم. القانون يبحث عن عناصر قابلة للإثبات أمام المحكمة، مثل صدور القول أمام جهة مختصة، وتوافر القصد، وجوهرية الواقعة، وقيام الدليل. الدين يتجاوز ظاهر الفعل إلى النية؛ فقد يعجز القانون عن إثبات التعمد، بينما يظل الإنسان عالمًا بما أخفاه ومسؤولًا أمام الله عنه.
وقد يعاقب القانون في بعض النظم على فعل لم ينتج عنه ضرر نهائي، لأن تهديد نزاهة التحقيق أو المحكمة قد يكون كافيًا لقيام الجريمة. وهذا يعكس منطق الوقاية؛ فالدولة تحمي الثقة في مؤسساتها قبل وصول الخلل إلى مرحلة يصعب إصلاحها. أما التصور الديني فيربط النية والضرر والحقوق المترتبة على الكذب، ولذلك ترتبط التوبة بإصلاح ما يمكن إصلاحه، لا بمجرد الإفلات من العقوبة.
من هنا تظهر الحاجة إلى تكامل القانون والأخلاق. القانون يضع الحدود ويمنح المظلوم طريقًا للإثبات ويحدد المسؤولية والجزاء، والدين يزرع في النفس رقابة تتجاوز باب المحكمة. إذا غاب القانون اتسع مجال الإفلات من العقاب، وإذا غابت الأخلاق تحولت النصوص إلى قيود خارجية يبحث الناس عن طرق للالتفاف عليها. العدالة تحتاج إلى نص يردع وضمير يمنع الجريمة قبل وقوعها.
شهادة الزور لحظة يختار فيها الإنسان وضع لسانه في الجهة المقابلة للحق. قد تبدو الجملة قصيرة، غير أن آثارها قد تمتد إلى حرية بريء، ومال مظلوم، وأسرة مفككة، وثقة اجتماعية تتآكل بصمت. لهذا حاربها القرآن بالنهي عن قول الزور، وحذرت منها السنة تحذيرًا شديدًا، وتعاملت معها القوانين الحديثة باعتبارها اعتداءً على نزاهة القضاء.