اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان
والإنذار المبكر المتوفر للمملكة يلعب دوراً محورياً داخل منظومة الدفاع الجوي حيث يكتشف الطائرات المعادية ويرصد الأهداف البرية والبحرية من خلال عمله كمركز قيادة طائر للإنذار عن هجوم العدو، ومن ثم يتولى تنفيذ مهام الدفاع الجوي وتخصيصها لأنسب عناصره سواءً بالطائرات أو الصواريخ.
ورغم أن المملكة تتمتع بأمن داخلي لا يوجد له مثيل في أي مكان آخر الا أنها تهتم بالامن الداخلي باعتباره مكملاً للامن الوطني وتحصيناً ضد أي تهديد أمني عابر للحدود، متوجةً ذلك بالاهتمام بالجوانب القانونية والرقابية والربط بين الامن والقضاء والعمل المدني، كما أن المملكة تتعاون اقليمياً ودولياً لمكافحة الإرهاب وتعزيز الامن والأستقرار.
والتحول في مجال الاستخبارات نقلها نقلة نوعية من اهتمامتها العادية إلى التعاطي مع الذكاء الاصطناعي والامن السيبراني والمسيرات مع تطوير أنظمة الاستطلاع وحماية البيانات الحيوية والاتصالات العسكرية والنظر إلى القوة العسكرية والأمنية بانها أساس تؤسس عليها مختلف التحولات الأخرى لتكريس القدرة على الردع والمحافظة على المصالح الوطنية في الداخل والخارج.
واتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة وباكستان وتركيا حققت أمال شعوب هذه الدول وطموحات ورغبات قادتها ونخبها الذين يتطلعون إلى ضم الصفوف طلباً للمزيد من الهيبة والقوة ويرون في هذا التحالف عودة إلى المرجعية الدينية وتقوية لاواصر الإنتماء الديني مع الاخذ في الحسبان أن اهتمام الدول الثلاث بهذا التحالف الأمني لم تكن الغاية منه خوض الحروب واختلاق الذرائع الواهية لتأجيج الصراعات، بل تهدف من وراء ذلك إلى الردع والدفاع الجماعي عن النفس.
ومن هذا المنطلق فإن حرص المملكة على التحالف الذي جمع بينها وبين باكستان وتركيا يتطلبه واقع الحال نظراً لأن العصر الحالي أصبح أكثر اتجاها إلى التكتلات التي تجعل من أعضاء التكتل أسرة متكاملة تتعامل بالقوة المطلوبة عند الحاجة، وينطبق هذا اشد الانطباق على الدول الثلاث لما يجمع بينها من أواصر الانتماء الديني ودواعي المصلحة المشتركة ومواجهة الخطر المشترك.
وترتيبا على ذلك فإن التحالفات تتنوع من حيث درجة التصنيف والمستوى وما هو مطلوب من العضو ودرجة إلتزامه، واتفاقية مكة للدفاع المشترك تحتل اعلى المستويات وارقى مراتب التحالف وأشدها الحاحا وتمثل تحالفا دفاعيا طويل المدى بين الدول الثلاث لمواجهة التحديات الأقليمية وصيانة الامن والاستقرار في المنطقة والعالم.
والمأمول لهذا التحالف أن ينمو ويزدهر وأن يحقق أكبر مغنم بأقل مغرم بفضل ما يتحلى به قادته من الحكمة والحصافة وما يتوفر لهم من عوامل القوة المادية والمعنوية ويجمع بينهم من مصلحة جامعة واهداف مشتركة سوف يتمتع كل منهم بقدر متساوٍ من ثمارها مثل ما يدفع متضامناً تكاليفها.
وإذا كان الأمر يستدعي ما قرع بابه وجذب أهدابه فإن اتفاقية مكة سبقها مبادرة المملكة بالدعوة إلى إنشاء حلف عسكري بحري لتأمين حرية الملاحة والسفن التجارية في البحر الأحمر ونزولاً عند المصلحة الجامعة والأهداف المشتركة تجاوب مع مبادرة المملكة عدد من الدول المتأثرة، وأنعقد الحلف استناداً إلى مضمون المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحددة التي تقوم فلسفتها على مشروعية الدفاع الجماعي عن النفس.
والأهداف السامية عادة ما تكون معروفة وبالخير موصوفة، كما هو الحال بالنسبة لاهداف المملكة من دعم التحالف الإسلامي والدولي لمكافحة الإرهاب، وكذلك الهدف من قيادتها لتحالف دعم الشرعية في اليمن لمواجهة الحركة الحوثية الإرهابية، ومواقف المملكة الوطنية والقومية والإنسانية من الأوضاع في سوريا ولبنان والعراق والسودان، كل ذلك يقدم الدليل القاطع والبرهان الساطع على تعامل المملكة بعقلية الدولة وتحويل الأزمات إلى فرص قيادية ومبادرات سياسية يمكن النظر من خلالها إلى القوة الناعمة والقوة الصلبة بنظرة واعية تضع الأمور في نصابها وتحسب لها حسابها على المستويين الأقليمي والدولي.
والسياسة تمثل أحد عناصر القوة الوطنية، وإذا ما أُستحسن استخدامها مهدت الطريق للقوة الناعمة لكي تؤدي دورها الذي يحد من اللجوء إلى القوة الصلبة ويحافظ على التكامل المثمر والتفاعل المستمر بين قوة السياسة وسياسة القوة في بيئة اقتصادية ناجحة وهوية وطنية وثقافية صالحة.
وسياسة المملكة تنطلق من مصالحها الحيوية ومشروعها الذي يخدم تحولاتها الوطنية ويكبح جماح المشاريع العدوانية عن طريق الدعوة إلى السلم والاستقرار ورفض الحروب ومكائد الأشرار مع اتباع سياسة متوازنة مع القوى الكبرى وإقامة علاقات خارجية تتسم بالاعتدال والتأثير واعتماد شراكة مع الآخرين تتعامل بالندية ولغة المصالح، والانفتاح على المبادرات العالمية في مجال الطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي ونظام الرقمنة.
والمملكة أثبتت عضويتها المؤثرة وجهودها المثمرة في مجموعة العشرين بوصفها تعتبر شريكا استراتيجياً ووسيطا موثوقا به في النزاعات والصراعات البينية بفضل السياسة المتوازنة واستثمار القوة الناعمة والحرص على المصلحة الجامعة على النحو الذي عزز مكانتها في المجتمع وأكد حيادها الإيجابي الذي جعلها اكثر موثوقية ودولة محورية.
وما تتمتع به المملكة من مركز ديني وثقل اقتصادي وموقع استراتيجي يشرف على أهم الممرات البحرية وتعبر من خلاله طرق التجارة، والطاقة كل ذلك أسبغ على المملكة نعمة تُحسد عليها والنعمة لابد لها من منغصات توجب شكرها وترفع من قدرها وتحيي ذكرها وتطيل في عمرها.
ومواقف المملكة السيادية واهتماماتها الوطنية ودفاعها عن القضية الفلسطينية والأمة العربية والإسلامية ألَّبت عليها أصحاب المشاريع الاستعمارية والمطامع التوسعية وأدواتهم الوظيفية من أصحاب المآرب المتطرفة والمذاهب المنحرفة.
ومن سوء حظ المنطقة العربية وجود إسرائيل في شمالها الغربي وجود إيران في شمالها الشرقي والأولى أداة من أدوات الاستعمار والثانية صنيعة استعمارية ترتدي دثاراً يختلف عن الشعار الذي أستطاعت من خلاله خداع المرتزقة من المحسوبين على العرب في العراق واليمن ولبنان وفلسطين واستخدمتهم ضد أمتهم وأوطانهم.
وإذا ما نظرنا إلى الحرب الدائرة في إيران وانعكاساتها السياسية والاقتصادية وتداعياتها الإقليمية والدولية وموقف المملكة منها اتضح لنا ما تتصف به المملكة من ضبط النفس والحكمة وقوة السياسة من خلال قدرتها على تفويت الفرصة على أصحاب المؤامرات دون أن يكون ذلك على حساب هيبتها وسيادتها وما تمتلكه من سياسة القوة والقدرة على الردع.
وذيول إيران التي أعتادت على أطلاق الصواريخ والمسيرات على المملكة تنفيذا لأوامر سيدها، وصلت إلى طريق مسدود حيث انتهى زمن سياسة ضبط النفس والاحتواء وحان زمن الانتقال إلى الردع وترجمة الحزم إلى حسم باعتبار الردع حقاً مشروعاً لحماية الوطن والدفاع عن سيادته.