د. سلطان مشعل
ليست الصراعات استثناءً في حياة الأمم بل هي إحدى سنن الاجتماع الإنساني، مثلما أن التدافع قانون من أهم القوانين التي تحكم حركة التاريخ. فالأمم والجماعات والدول لا تتحرك في فضاء ساكن وإنما تتفاعل باستمرار مع مصالح متعارضة ومشروعات متنافسة وموازين قوى متغيرة وظروف لا تستقر على حال.
غير أن الصراعات مهما بدت عفوية في ظاهرها لا تدير نفسها بنفسها. ففي كل مرحلة تاريخية يظهر أشخاص ومؤسسات وقوى سياسية تتصدر موجات الصراع فتسعى إلى تفسيرها وتحديد أهدافها واختيار أدواتها وتوجيه مساراتها ثم تحمل مسؤولية نتائجها. ومن هنا تبدأ المسافة الفاصلة بين من يعيش الصراع ومن يحسن إدارته.
فإدارة الصراع ليست مجرد امتلاك الشجاعة للدخول فيه ولا القدرة على رفع الشعارات ولا امتلاك الرغبة في الانتصار؛ وإنما هي قبل ذلك وبعده فن تحويل المعرفة بالواقع إلى قرار وتحويل القرار إلى فعل وتحويل الفعل إلى نتيجة.
ولعل أول قاعدة في هذا الفن هي «معرفة طبيعة الصراع». إذ لا يمكن إدارة معركة لا نعرف حقيقتها ولا مواجهة خصم من دون فهم طبيعة أهدافه وأدواته ومصادر قوته. فبعض الصراعات عسكرية في ظاهرها لكنها سياسية في جوهرها وبعضها سياسي لكنه يخفي وراءه صراعا على الجغرافيا أو الموارد أو النفوذ وبعضها يبدأ اقتصاديا ثم يتحول إلى صراع على الإرادة والقرار. ولذلك فإن سوء تعريف الصراع يقود غالبا إلى اختيار الأداة الخطأ، حتى لو كانت النية صحيحة.
وتأتي بعد ذلك قاعدة «تقدير الموقف» وهي اللحظة التي ينتقل فيها التفكير من الانطباع إلى التحليل. فليس المهم أن نعرف ما نريد وإنما أن نعرف أيضا ما يمكن تحقيقه وما الذي لا يمكن تحقيقه في اللحظة الراهنة وما المتغيرات التي يمكن أن تقلب المعادلة؟ إن القرار السياسي الذي لا يسبقه تقدير دقيق للموقف قد يتحول إلى مقامرة حتى وإن كان الهدف مشروعا.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة الواقع كما هو لا كما نرغب أن يكون. فالسياسة ليست علم الأمنيات والتاريخ لا يتعامل مع النوايا وحدها. إن الواقع يفرض محدداته ومن لا يقرأها جيدا قد يكتشف بعد فوات الأوان أن المسافة بين ما يتصوره ممكنا وما يسمح به الواقع فعلا كانت أكبر مما اعتقد.
ولا تقل أهمية عن ذلك معرفة موقع الذات ومحيطها ومحدداتها. فالقوة ليست مطلقة والضعف ليس مطلقا كذلك. لكل طرف مساحة حركة ومجال تأثير ونقاط قوة ومواطن هشاشة وبيئة إقليمية ودولية تضغط عليه أو تمنحه فرصا. ولذلك فإن السؤال الاستراتيجي ليس فقط: ماذا يريد الآخرون؟ وإنما أيضا: أين نقف نحن؟ وما الذي نملكه؟ وما الذي نفتقده؟ وما حدود قدرتنا على الحركة؟
وهنا تبرز «الواقعية السياسية» بوصفها ضرورة لإدارة الصراع لا باعتبارها تخليا عن المبادئ. فالواقعية لا تعني أن يتنازل السياسي عن أهدافه وإنما تعني أن يعرف الطريق الممكن للوصول إليها وأن يميز بين الهدف الاستراتيجي الثابت والوسيلة القابلة للتغيير. وقد تكون بعض التراجعات التكتيكية في ظروف معينة جزءا من استراتيجية التقدم كما قد يكون تأجيل المواجهة شكلا من أشكال إدارة القوة لا علامة على العجز.
لكن كل ذلك يظل ناقصا ما لم تصاحبه «قراءة دقيقة لموازين القوى». والقوة هنا لا ينبغي اختزالها في السلاح أو المال وحدهما؛ فهناك قوة الجغرافيا والاقتصاد وقوة الديموغرافيا والمؤسسات وهناك قوة التكنولوجيا والمعلومات وقوة الدبلوماسية والشرعية السياسية كذلك قوة القدرة على بناء التحالفات فضلًا عن عنصر بالغ الأهمية هو الزمن.
فقد يمتلك طرفٌ تفوقا عسكريا بينما يمتلك الطرف الآخر قدرة أكبر على الصمود أو جغرافيا أكثر ملاءمة أو شبكة تحالفات أوسع أو قدرة أعلى على الانتظار. ولهذا فإن ميزان القوى لا يُقرأ بلغة واحدة وإنما بلغات متعددة تتكامل ولا تتنافس.
ومن أخطر ما يواجه إدارة الصراعات «الوقوع في فخ التبريرات». فالخسارة لا تتحول إلى انتصار بمجرد تغيير المفردات التي نصف بها النتائج، والفشل لا يصبح نجاحا لأننا أحطناه بسياج من التأويلات.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله القيادات بعد الإخفاق هو أن تبحث عن رواية تبرئها بدل أن تبحث عن تفسير يصحح مسارها.
فالقيادة التي لا تستطيع الاعتراف بالخطأ تفقد إحدى أهم أدوات القوة وهي «القدرة على التعلم».
ولهذا فإن إدارة الصراع تقتضي استعدادا للمحاسبة والمساءلة عند الإخفاق. وليس المقصود بالمحاسبة البحث عن كبش فداء، وإنما بناء ثقافة سياسية ومؤسسية تجعل المسؤولية جزءا من ممارسة القيادة. فالقرار الذي لا تترتب عليه مسؤولية يتحول مع الوقت إلى مغامرة، والقيادة التي لا تخشى مراجعة نتائج قراراتها قد تفقد حساسيتها تجاه الواقع.
وفي المقابل فإن النجاح نفسه يحتاج إلى إدارة. وهنا تقع مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن تبرير الفشل وهي «احتكار النجاح». فالانتصارات الكبرى في حياة الدول والمجتمعات لا يصنعها فرد بمفرده مهما بلغت عبقريته وإنما تنتج عادة عن تراكم جهود مؤسسات وتضحيات أجيال وقرارات متعددة وظروف تاريخية وطاقات اجتماعية وربما أخطاء ارتكبها الخصوم وأسهمت في تغيير المعادلة.
ومن ثم فإن النجاح الحقيقي هو الذي يتحول من إنجاز شخصي إلى نجاح مؤسسي ومن لحظة عابرة إلى قاعدة قابلة للبناء عليها. أما حين يتحول الانتصار إلى ملكية رمزية لفرد أو مجموعة محددة ثم يصبح النجاح وسيلة لصناعة «رموز» و»أرقام صعبة» فإن المؤسسة قد تخسر في المستقبل ما حققته في الحاضر لأن المجتمعات والدول لا تُبنى على بطولة فردية عابرة وإنما على مؤسسات قادرة على إنتاج النجاح حتى بعد غياب صانعيه.
إن فن إدارة الصراعات في جوهره ليس فن الانتصار في معركة واحدة وإنما فن إدارة سلسلة طويلة من المعارك بحيث لا تتحول نتيجة اليوم إلى خسارة استراتيجية في الغد.
ولهذا يمكن اختزال جوهر هذا الفن في سلسلة من القواعد تبدأ من السؤال: ما طبيعة الصراع؟ ثم: ما الموقف الحقيقي؟ ثم: أين أقف؟ ثم: ما الذي أملكه وما الذي يملكه خصمي؟ ثم: ما الذي تسمح به موازين القوى؟ وأخيرا: كيف أحول النتيجة إلى مكسب مؤسسي قابل للاستمرار؟
فالسياسة ليست مجرد القدرة على الدخول في الصراع وإنما القدرة على اختيار الصراع وفهمه وتوقيت خوضه وإدارة أدواته وقراءة موازينه وتحمل مسؤولية نتائجه.
وفي نهاية المطاف ليست المشكلة أن تدخل الأمم صراعات كثيرة؛ فذلك جزء من حركة التاريخ، وإنما المشكلة أن تدخلها بأدوات لا تناسبها وبقراءة لا تكفيها وبثقة تتجاوز قدرتها ثم تبحث بعد الهزيمة عن تبريرات بدل أن تبحث عن دروس.
إن من لا يعرف طبيعة الصراع قد يخوض المعركة الخطأ ومن لا يعرف موقعه قد يقاتل من موقع لا يملكه ومن لا يقف على ماهية الخصم وكنه قوته قد يؤتَى من قِبل ذلك الخصم وتفتك به تلك القوة، وحينها يمكن إدراك الفرق بين «إدارة الصراع» و«إدارة الفشل».
** **
- كاتب وباحث سياسي.. اليمن، عدن