أمل حمدان الشريف
لا أدري ما الذي أعادني اليوم إلى «البلاد».. هكذا كنا نسمي مزرعة جدي.
ربما كانت حبة عجوة مرّت في يدي، فأعادت إلى الذاكرة رائحة نخيل جدي، أو ربما مرّ طيف من رائحة النعناع، فعادت بي إلى طفلة كانت تركض بين ظلال الأشجار، دون أن تعرف أن تلك التفاصيل البسيطة ستصبح يومًا من أثمن ما تحتفظ به الذاكرة.
كانت مزرعة جدي.. لكنها في طفولتي كانت بلادًا كاملة.
أرضًا لها روحها، ونخيلها، وماؤها، وظلالها، ومأكلها ومشربها، وتفاصيل حياتها الريفية النقية. وكانت الرحلة إليها تبدأ منذ الصباح الباكر؛ بعد صلاة الفجر تستعد السيارات، وتُحزم الحقائب، وتُجهّز «حقيبة الأرزاق»؛ هكذا كنا نسميها.
تحمل الشاي، والأرز، والطحين، وما يلزم للطبخ، وكل التفاصيل الصغيرة التي نحتاجها لقضاء يوم كامل في «البلاد». وكنا نراقب الكبار وهم يراجعون محتوياتها، وكأن اكتمالها هو أول طقوس الرحلة.
ثم تنطلق السيارات، ونحن الأطفال ننتظر الوصول بشغف.
وحين نصل، تبدأ «البلاد» يومها.
كانت هناك القنطرة والبركة، والنخيل الممتد، والظل الذي يصبح ملاذًا حين تشتد الشمس. لم تكن الأرض مجرد مكان للنزهة؛ كانت تمنحنا يومًا كاملًا من الحياة.
وكانت والدتي وجدتي -حفظهما الله- تبدآن العجن والخبز على الصاج قبل أن تشتد حرارة الشمس. فتنتشر رائحة الخبز الطازج في المكان، ممتزجة برائحة الأرض والنخيل.
ثم تأتي رائحة النعناع..
كانت تفوح في أرجاء الدكة، فنُسارع نحن الأطفال إلى حشّه مع جدي، استعدادًا لصناعة إبريق الشاي. كنا نتسابق بأيدينا الصغيرة، ونلتف حوله، دون أن نعرف أن هذا المشهد البسيط سيصبح بعد سنوات ذاكرة لا تشيخ.
وكان للمكان روائح أخرى؛ ورق الليمون، والورد المديني، ورائحة التراب، والنخيل، والخبز على الصاج.
كانت «البلاد» عالمًا من الروائح قبل أن تكون عالمًا من الأشياء.
لم نكن نبحث عن الترف؛ كانت متعة اليوم في بساطته. أن نأخذ معنا ما يكفينا، ونعد طعامنا بأيدينا، ونشرب الشاي مع جدي، ونجلس تحت ظل النخيل، ونترك الوقت يمضي ببطء.
كانت نزهة ريفية نقية، لا تحتاج أكثر من أرض، ونخيل، وماء، وطعام، وأهل يجتمعون حوله.
ولم نكن نعرف آنذاك أن هذه البساطة كانت ثراءً من نوع آخر.
ومن بين كل تلك التفاصيل كانت العجوة حاضرة؛ ثمرة تخرج من نخيل المدينة، لكنها في ذاكرتي اليوم أكبر من ثمرة.
فحين أكتب عن عجوة المدينة، أكتشف أنني لا أكتب عن منتج زراعي فحسب، بل عن ذاكرة مكان.
فالمدينة المنورة لا تُقرأ فقط من خلال معالمها الكبرى؛ يمكن أن نقرأها أيضًا من نخيلها، وبساتينها، ومائها، وأسواقها، ومطابخ بيوتها، وحكايات أهلها.
وهنا تأتي الثقافة؛ فالثقافة ليست فقط ما تحفظه المتاحف والكتب، بل ما يبقى حيًا في تفاصيل الناس: رغيف خبز على صاج، وحفنة نعناع يجمعها طفل مع جده، وورقة ليمون، وورد مديني، وحقيبة أرزاق تُحزم بعد الفجر، ونخلة تمنح أهلها ظلها وثمرها.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح المكان روحه وسرديته.
ولهذا فإن العجوة تستحق أن تُقرأ بوصفها أكثر من ثمرة؛ فهي مدخل إلى حكاية المدينة الزراعية، وإلى علاقة الإنسان بأرضه، وإلى معرفة انتقلت من جيل إلى آخر في الزراعة والحصاد والطعام والضيافة.
وربما نحتاج اليوم إلى أن نوثق هذه الذاكرة قبل أن تغيب تفاصيلها؛ أن نسمع من كبار السن، ونحفظ أسماء البساتين، ومواسم النخيل، وأدوات المزارعين، وعادات الأسر، وحتى تفاصيل النزهات الريفية التي صنعت جانبًا من حياة المدينة.
فحين نوثق المنتج وننسى قصته، نحفظ شيئًا من التراث ونفقد شيئًا من روحه.
أما حين نحفظ القصة إلى جانب المنتج، فإننا نحفظ الهوية.
ولهذا، حين أتذوق العجوة اليوم، أشعر أنني لا أتذوق ثمرة فقط.
أعود معها إلى «البلاد»؛ إلى نخيل جدي، والقنطرة والبركة، والسيارات التي كانت تستعد بعد الفجر، وحقيبة الأرزاق، وخبز أمي وجدتي على الصاج، والنعناع الذي كنا نحشّه لنصنع إبريق الشاي، وورق الليمون، والورد المديني، وظلال الأشجار.
لا أعلم لماذا شعرت اليوم بكل هذا الحنين.
ربما لأن الإنسان كلما تقدم به العمر، أدرك أن بعض أجمل ما عاشه لم يكن في الأشياء الكبيرة، وإنما في التفاصيل التي مرّ عليها صغيرًا دون أن يعرف أنها ستصبح يومًا وطنًا داخل ذاكرته.
كانت مزرعة جدي..
لكنها في طفولتي كانت بلادًا كاملة.
وفي حبة عجوة واحدة، عادت إليّ البلاد بكل ما فيها:
طفولة، وجد، وأرض، ونخيل، وماء، وقنطرة، وبركة، وخبز، ونعناع، وليمون، وورد مديني.. وحياة ريفية نقية ما زالت، رغم كل السنوات، تفوح في الذاكرة.