عمشاء الشلوي
عدد قليل جداً من القطاعات وصلت إلى مستوى الأمان الذي وصلت إليه صناعة الطيران التجاري رغم أنها تُشغّل أجهزة معقدة للغاية وتحت ضغط زمني دائم. ولكن لم يتحقق هذا المستوى من الأمان بالصدفة، ولا بالاعتماد على مهارة الأفراد وحدها، بل تحقق نتيجة منظومة متكاملة من الانضباط الإجرائي والدقة في التوثيق والتعلّم المستمر من الأخطاء. نحاول من خلال هذا المقال استخلاص أهم هذه الدروس، وبيان كيف يمكن لصانع السياسة العامة أن يستفيد منها في تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها.
في 27 مارس 1977 اصطدمت طائرتان من طراز بوينج 747 على مدرج مطار لوس روديوس في جزيرة تينيريفي، لتصبح الى الان أكبر كارثة طيران من حيث عدد الضحايا، حيث أظهرت التحقيقات ان السبب لم يكن عطل فني بل كان انهيار في التواصل واتخاذ القرار داخل مقر القيادة اذ كانت الثقافة السائدة آنذاك تمنح القبطان السلطة شبه المطلقة وتجعل باقي الطاقم يتردد في مساءلته حتى في وقت الخطر. (DuBois, 2026)
من رحم هذه الكارثة وحوادث سابقة ولد مفهوم «إدارة موارد الطاقم» ((CRM عام 1979 في ورشة عمل نظمتها ناسا (Psych safety) حيث كان تحول جوهري ثقافي أعطى الحق لأن يشعر كل عضو في الفريق مهما كانت رتبته بحقه في اثارة مخاوفه دون خوف من العقاب.
نلاحظ ان هذا الدرس ينطبق على غرف صنع القرار في السياسات العامة حيث يعطل التسلسل الهرمي كثير من الموظفين عن الإفصاح عن معلومات تخالف الرأي للقيادة. (Psych Safety, 2024).
ناسا أنشأت عام 1976 نظاماً يتيح لأي طرف أن يُبلغ عن موقف خطر دون الكشف عن هويته، مقابل حماية جزئية من العقاب. وقد تجاوزت التقارير المُجمّعة عبر هذا النظام مليوني تقرير حتى الآن، وتُستخدم لرصد أنماط مخاطر يصعب اكتشافها لو اعتمدنا على مصدر واحد فقط (NASA, 2026). والمشكلة أن الرقابة الحكومية حين تُصمَّم بحيث يصبح الإبلاغ عن الخلل مرادفاً للمساءلة الفورية، فإن الموظف - بشكل طبيعي ومتوقع - يميل لإخفاء المشكلات الصغيرة، إلى أن تتراكم وتنفجر أزمة كبرى. لذلك فإن الفصل بين الإبلاغ المبكر والعقاب الفوري ليس تساهلاً، بل استثمار حقيقي في اكتشاف المشكلات وهي ما زالت صغيرة يمكن معالجتها.
درست أبحاث جامعة بيركلي منظمات نادرة الحوادث رغم عملها في بيئات شديدة الخطورة -مراقبة الحركة الجوية، محطات نووية، حاملات طائرات- وأطلق عليها اسم «المنظمات عالية الاعتمادية». خلص كارل وايك وكاثلين ساتكليف إلى أن سرّ نجاحها هو «اليقظة الذهنية»: الانشغال برصد مؤشرات الفشل الصغيرة، ومقاومة تبسيط المشكلات، وتفويض القرار لصاحب الخبرة الفعلية بصرف النظر عن رتبته. الانضباط هنا لا يعني حرفية القاعدة، بل معرفة متى يُطبَّق الإجراء ومتى يُمنح الخبير الميداني هامش القرار. (Weick الجزيرة Sutcliffe, 2015)
في النهاية صناعة السياسات العامة تحتاج إلى قنوات حقيقية تسمح بسماع الرأي المخالف، وإلى تحليل فشل السياسات باعتباره نتاج نظام متراكم لا خطأ فرد بعينه، وإلى الفصل بين الإبلاغ المبكر والعقاب الفوري. فالدقة والانضباط في التطبيق هما اللذان يصنعان الفرق الحقيقي بين سياسة تنهار عند أول خطأ، وأخرى تتعلم منه وتتطور.
* * *
المراجع:
DuBois Aviation. (2026, March 14). What is crew resource management? A pilot»s guide to safety.
Geraghty, T. (2024, January 5). Crew resource management and psychological safety. Psychological Safety.
National Aeronautics and Space Administration. (n.d.). ASRS: Aviation Safety Reporting System program briefing.
Weick, K. E., الجزيرة Sutcliffe, K. M. (2015). Managing the Unexpected: Sustained Performance in a Complex World (3rd ed.). John Wiley الجزيرة Sons.