محمد بن عبدالله العتيق
المملكة العربية السعودية ليست دولة عابرة في المشهد العالمي، وليست حضورا سياسيا واقتصاديا يرتبط بظرف أو مرحلة، بل هي دولة لها ثقلها ومكانتها وتأثيرها، اكتسبتها عبر تاريخ طويل من الثبات والحكمة، وعبر سياسة تقوم على احترام الدول وسيادتها، والحرص على أمن الشعوب واستقرارها.
ومنذ تأسيس الدولة السعودية في مراحلها الثلاث، كانت المملكة حريصة على أن تكون علاقتها مع الآخرين قائمة على الاحترام وحسن الجوار، ولم تكن يوما دولة تبحث عن المشكلات أو تسعى إلى إشعال الصراعات. بل كانت، في كثير من الأزمات، طرفا يسعى إلى التهدئة، ويفتح أبواب الحوار، ويبحث عن المساحات المشتركة التي يمكن أن تلتقي عندها الأطراف المختلفة.
وهذا الدور لم يعد محصورا في محيطها العربي والخليجي، بل امتد إلى مناطق وأزمات متعددة حول العالم. فالمملكة حين تدخل في قضية أو أزمة، فإنها تنظر إليها بعين الدولة التي تبحث عن الحل، لا عن تسجيل المواقف فقط. وقد أثبتت التجارب أن الرياض تستطيع أن تجمع المختلفين، وأن تفتح قنوات للحوار حين تضيق القنوات، وأن تمنح الأزمات الوقت والجهد اللازمين حتى تصل الأطراف إلى حلول تحفظ لها مصالحها وكرامتها.
والمملكة تؤمن بأن بعض المشكلات لا تحل بالصوت المرتفع ولا بالقرارات المتعجلة، وإنما بالنفس الطويل، والحكمة، والصبر، ومعرفة متى يكون الحديث مناسبا، ومتى يكون الصمت أكثر فائدة، ومتى يكون التدخل ضروريا، ومتى يكون ترك مساحة للأطراف أفضل للوصول إلى التفاهم.
ولهذا أصبحت المملكة في كثير من الملفات الدولية طريقا إلى الحل، ووجهة لمن يبحث عن التهدئة، وصوتا يحظى بالثقة والاحترام. وهي لا تبخل في هذا الدور بما تملكه من مكانة سياسية، أو قدرة اقتصادية، أو علاقات واسعة، أو مبادرات إنسانية، لأنها ترى أن استقرار الدول والشعوب مصلحة للجميع.
وفي مقدمة هذه المرحلة تأتي القيادة السعودية الشابة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي حمل رؤية واضحة للمستقبل، وجعل الطموح عنوانا لمرحلة جديدة في تاريخ المملكة.
رؤية المملكة 2030 لم تعد فكرة مكتوبة على الورق؛ أصبحت مشروعات تتحرك، ومدنا تتغير، واقتصادا يتنوع، وفرصا تتسع، ومجتمعا يعيش تحولا كبيرا في مختلف المجالات. وما تحقق خلال السنوات الماضية جعل العالم ينظر إلى المملكة باعتبارها واحدة من أكثر الدول حيوية وطموحا في المنطقة والعالم.
واللافت في هذه التجربة أن الطموح لم يكن على حساب الثوابت، بل جاء متوافقا مع هوية المملكة وتاريخها ومكانتها. المملكة تتقدم بسرعة، لكنها تعرف من أين بدأت وإلى أين تريد أن تصل.
وهنا يأتي الشعب السعودي، الذي يمثل القوة الأهم في هذه المسيرة. شعب التف حول قيادته، ووجد فيها قيادة قريبة منه، تسمع له وتشاركه طموحه، وتفتح أمام أبنائه وبناته أبوابا جديدة للمستقبل. ولذلك ترى هذه العلاقة بين القيادة والشعب بصورة مختلفة؛ علاقة تقوم على المحبة والثقة والاعتزاز، وكأن الوطن كله أسرة واحدة يجمعها هدف واحد وطموح واحد.
ومن يعيش في المملكة يعرف قيمة الأمن الذي تنعم به، ويعرف معنى أن يمشي الإنسان في وطنه مطمئنا على نفسه وأهله وماله. ومن يعمل فيها يعرف أن الأنظمة تحفظ الحقوق، وأن أبواب الفرص أصبحت أوسع، وأن المملكة لم تعد مجرد مكان للعمل، وإنما أصبحت وجهة عالمية للاستثمار والعيش والسياحة وصناعة المستقبل.
والمملكة كذلك بلد واسع المقومات؛ فيها التاريخ والتراث، وفيها البحر والصحراء والجبال، وفيها المدن الحديثة والمشروعات الكبرى، وفيها مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفيها الإنسان السعودي الذي يحمل أصالة المكان وروح المستقبل.
أما علاقتها بمن يعيش على أرضها من المقيمين والزائرين، فهي امتداد لهذه الصورة؛ احترام للإنسان، وحفظ للحقوق، وتوفير للأمن والخدمات، وحرص على أن يجد كل من جاء إلى المملكة ما جاء من أجله في بيئة مستقرة وآمنة.
هذه هي المملكة العربية السعودية التي نعرفها ونحبها.
وطن كبير بمكانته، كبير بأدواره، كبير بقيادته، وكبير بشعبه.
ومهما قيل في المملكة وقيادتها وشعبها، تبقى الكلمات أقل من أن تختصر قصة وطن اختار أن يصنع مستقبله بيده، وأن يكون حاضرا في قضايا العالم بعقل الدولة، وحكمة القيادة، وثبات الموقف.
نسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، وأن يحفظ قيادتها وشعبها، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها وعزها، وأن يوفقها دائما لكل ما فيه خير وطنها وخير الإنسان أينما كان.