صالح الشادي
ليس أصعب على الوالد من أن يرى فلذة كبده يكبر، فتتغير ملامحه، ويشتد عوده، وتثور في أعماقه أسئلة الوجود والهوية، بينما تظل أدوات التربية ذاتها التي اعتادها في طفولته جامدةً لا تلين. إنها اللحظة الفارقة التي تتطلب من الأب أو الأم أن يقلبا صفحة «الوصاية» ويفتحا باب «الصحبة»، ذلك التحول الجوهري الذي تغفل عنه كثير من الأسر، فينقلب السحر على الساحر، وتتحول العلاقة إلى شد وجهد مرير.
في هذا الزمن بالذات، زمن الضجيج الرقمي، وانفجار المعلومات، وتزاحم الثقافات، لم يعد الأمس كاليوم، ولا اليوم كالغد. مضى زمن كانت فيه العصا هي الفيصل، والأمر المطلق هو المنهج، والكلمة النافذة هي آخر الكلام. لقد عصفت رياح التغيير بكل هذه المعادلات البالية، وأثبتت التجارب أن الابن الذي يُربى على الطاعة العمياء يكبر ليكون إما متمرداً هادراً، أو منقاداً هشاً لا يستطيع مواجهة تعقيدات العصر. أما الابن الذي صحبه أبوه وصادقه، فإنه يكتسب مناعة ذاتية تجعله قادراً على التمييز في خضم الفوضى، واعياً بحدوده، واثقاً من قراراته.
إن مفهوم «الصحبة» أو «الصداقة» مع الأبناء في مرحلة الرشد، لا يعني بأي حال من الأحوال تفريطاً في الهيبة، أو تسيباً في القدسية، أو تخلياً عن دور الضابط الأخلاقي. بل هو انتقال بالعلاقة من مرحلة «الخوف من العقاب» إلى مرحلة «الخوف من خيبة الظن». إنها أن تجلس مع ابنك على مقعد النقاش لا منصة الإلقاء، وأن تترك له مساحة الخطأ ليتعلم، وأن تكون حارساً له لا حاجباً عنه. الصديق الأب هو ذلك الملاذ الآمن الذي لا يخشى الابن البوح له بهزيمته، أو مشاركته شكه، أو استشارته في حيرته، لأنه يعلم يقيناً أنه سيلقى الأذن الصاغية والعقل الراجح، لا السوط الجاهز والنهر الحاد.
ولعل من أبلغ صور هذه الصحبة في زماننا، هو حضور الأب في حياة ابنه حضوراً نوعياً لا حضوراً عددياً. ففي عصر تشتت فيه الأسرة بسبب وسائل التواصل، وتتفكك فيه أواصر اللقاء المباشر، تصبح دقائق المصاحبة الهادئة، والمشاركة في الاهتمامات ولو البسيطة، والاستماع بصدق دون مقاطعة، هي أعظم استثمار يمكن أن يقدمه الأب. إن الابن اليوم يحتاج إلى من يفهم لغته، لا إلى من يلغى صوته؛ يحتاج إلى من يشاركه همومه الرقمية، ويعينه على اجتياز مخاطرها، بدلاً من أن يجعله يعيش في عزلة عن واقعه.
إن أعظم هدية تقدمها لابنك في هذا الزمن المضطرب ليست مالاً تدخره، ولا منصباً تورثه، ولا سطوة تفرضها عليه، بل قلباً يسمعه، وعقلاً يفهم حيرته، ويداً تمسح دمعه قبل أن تمسك بعنقه.
فإذا كبر ابنك، فأدرك أنك قد تحولت من باني الأساس إلى مستشار البناء، ومن قائد الفريق إلى رفيق الدرب. وساعتها، حين تطيب صحبته في الدنيا، تظل ذكراك الطيبة وبره الواصل كنزك الذي لا ينفد في الآخرة. ألا فكونوا للرجال آباءً، وللناضجين منهم إخواناً، وللشاردين منهم حبال أمان؛ فتلك هي وصية العصر، ومفتاح القلوب، ودواء النفوس.