د. إبراهيم بن جلال فضلون
{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، إنها الآية (76) من سورة يوسف، التي أجابت على كل شيء، فهناك أسئلة لا تأتي لكي تجد جوابًا، وإنما تأتي لكي تكشف لنا شيئًا عن أنفسنا، فنسأل: (ما اللون؟ وما معنى المعنى؟ وأين تبدأ البداية؟ وأين تنتهي النهاية؟ لماذا نغلق أعيننا عندما نعطس؟، ومن عرف الوقت قبل أن توجد الساعة؟ وإذا كان الإنسان ينسى، فكيف يعرف أنه نسي؟ وإذا كان لكل سؤال جواب، فما جواب الصمت؟). فنضحك أحيانًا من هذه الأسئلة، لكنها في الحقيقة تضع إصبعها على واحدة من أعقد خصائص الإنسان: (عقل خلقهُ الله، فلا يكتفي بما يعرف، ولا يهدأ أمام ما لا يعرف).
وهنا تبدأ الحكاية
العقل نعمة عظيمة، لكنه ليس كاملاً ليعرف ويعي كل شيء، لا تظهر قوته الحقيقية فقط في قدرته على اكتشاف الأشياء، وإنما تظهر أيضًا في قدرته على معرفة حدوده، والمشكلة ليست في أن نسأل، بل أن يتحول السؤال من أداة للوصول إلى الحقيقة إلى غرفة مغلقة ندور داخلها، والسؤال الذي يفتح الباب، بين عقدتين: (إما سؤال يبني الإنسان، أو سؤال يستنزفه)، فالعالم الذي يسأل كيف تعمل الطاقة يكتشف تقنية جديدة؟. والطبيب الذي يسأل لماذا يحدث المرض يصل إلى علاج؟. والاقتصادي الذي يسأل لماذا ترتفع الأسعار يبحث عن أسباب التضخم؟. والمهندس الذي يسأل كيف يمكن بناء مدينة أكثر كفاءة يصنع مستقبلًا أفضل؟.
هذا هو السؤال المنتج، لكن هناك نوعًا آخر من الأسئلة لا يبحث عن معرفة، وإنما يعيد إنتاج القلق، فتظهر أمامك عشرة أسئلة، تُجيب عن واحد، فتكتشف أنك تحتاج إلى الإجابة عن عشرة أخرى، ثُم تبدأ في الشك في الإجابة نفسها، وطريقة تفكيرك، ثم في قدرتك على اليقين، حتى يصبح التفكير هدفًا في ذاته، وهُنا لا يعود العقل يتحرك إلى الأمام، بل يدور حول نفسه.
يستطيع الإنسان أن ينتج ألف احتمال واحتمال، غير أنه لا يستطيع أن يمنح كل احتمال منها يقينًا مُطلقًا، لذا فالنضج العقلي لا يعني امتلاك إجابة لكل شيء، وإنما امتلاك الشجاعة للقول: (هذا أعرفه، وهذا لا أعرفه، وهذا يتجاوز قدرتي على المعرفة).
عندما يتحول التفكير إلى متاهة
من أكثر المفارقات الإنسانية وضوحًا أننا قد نفكر في التفكير حتى نعجز عن التفكير، فعندما نريد أن ننام مبكرًا، نبدأ في التفكير في النوم، ثُم نفكر لماذا لا نستطيع النوم، ثُم نقلق لأننا لم ننم، ثُم نحسب الساعات المتبقية قبل الصباح، ثم نغضب من أنفسنا لأننا نفكر، فنفكر في كيفية التوقف عن التفكير..
إنها دائرة مغلقة، والأمر نفسه يحدث في العمل. يُقال للإنسان: لكي تحصل على وظيفة تحتاج إلى خبرة، ولكي تحصل على الخبرة تحتاج إلى العمل، ولكي تحصل على العمل تحتاج إلى الخبرة. وفي المال: لكي تحصل على قرض تحتاج إلى قدرة مالية وسجل ائتماني، لكنك تطلب القرض أصلًا لأنك تحتاج إلى المال.. هذه المفارقات ليست مجرد طرائف؛ إنها تذكرنا بأن الحياة أكثر تعقيدًا من بعض الصيغ المنطقية المبسطة، ولذلك يجب أن نميز بين التفكير الذي يحل المشكلة والتفكير الذي يستهلك صاحبه.
الرقمنة والعقل العربي
لم يعد الإنسان العربي يعيش في بيئة معرفية مُغلقة، بل يقف أمام تدفق هائل للمعلومات، وسرعة غير مسبوقة في الوصول إلى المعرفة، وأدوات قادرة على إنتاج الإجابات خلال ثوانٍ، ففي السعودية مثلًا، أظهرت أحدث بيانات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية أن انتشار الإنترنت بلغ 99.6 % في 2025، وأن 45.2 % من مستخدمي الإنترنت تبنوا أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما بلغ متوسط استهلاك بيانات الإنترنت المُتنقل 53 جيجابايت للفرد شهريًا، أي نحو ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وبلغت سرعة التحميل المتوسطة للإنترنت المتنقل 216 ميجابت في الثانية، وهي ضمن أعلى خمس سرعات في مجموعة g20. لكن الهام أن السعودية تصدرت مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية لعام 2026 بحسب ما أعلنته هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، استنادًا إلى مؤشر الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي يقيس 159 اقتصادًا، فيما بلغ حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة 199 مليار ريال بنهاية 2025.
هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: أن العالم العربي، أو على الأقل بعض اقتصادات الخليج، لم يعد مجرد مستهلك للتكنولوجيا كما كان يُنظر إليه في مراحل سابقة؛ بل أصبح جزءًا مؤثرًا في سباق البنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، لكن التكنولوجيا لا تجيب عن السؤال الأكبر: ماذا نفعل بكل هذه المعرفة؟
فامتلاك الإنترنت لا يعني امتلاك الحكمة، وسرعة الوصول إلى المعلومة لا تعني القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. وهنا تظهر الحاجة إلى الإنسان الذي يفكر، لا إلى الإنسان الذي يستهلك الإجابات فقط.
العرب والغرب... أين التفوق؟
من الخطأ أن نقول إن العرب تفوقوا على الغرب في كل شيء، كما أنه من الخطأ أن نكرر الصورة القديمة التي تفترض أن الغرب يتفوق دائمًا والعرب يتأخرون دائمًا، فالأرقام أكثر عدلًا من الانطباعات، ففي مؤشر الاتصالات والتقنية لعام 2025، أعلنت السعودية حصولها على المركز الأول عالميًا، بينما بلغ الاقتصاد الرقمي السعودي 495 مليار ريال في 2024، بما يعادل 15 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الإمارات، بدأت استراتيجية الذكاء الاصطناعي الحكومية منذ 2017، مستهدفة استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات النقل والصحة والطاقة والتعليم والبيئة وغيرها، بما يعكس انتقال الدولة من مرحلة استخدام التكنولوجيا إلى مرحلة بناء سياسات وطنية حولها. إذن، يمكن للدول العربية أن تتفوق على دول غربية في مؤشرات محددة، كما يمكن للدول الغربية أن تتقدم في مؤشرات أخرى، والحقيقة لا تحتاج إلى دعاية؛ تحتاج إلى بيانات.
يمكن الاستغناء عن الجدول ولكم الرأي..
المجال
المؤشر الحديث
الدلالة
انتشار الإنترنت في السعودية
99.6 % في 2025
اتصال رقمي شبه شامل
تبني أدوات الذكاء الاصطناعي
45.2 % من مستخدمي الإنترنت
تسارع استخدام التقنيات الجديدة
استهلاك البيانات
53 جيجابايت شهريًا للفرد
كثافة رقمية مرتفعة
سرعة الإنترنت المتنقل
216 ميجابت/ثانية
بنية تحتية متقدمة
الاقتصاد الرقمي السعودي
495 مليار ريال في 2024
وزن اقتصادي متنامٍ
احترام العقل:
يبقى السؤال: هل تستطيع التقنية أن تمنح الإنسان معنى؟، لا.
هُنا تبدأ المنطقة التي لا تستطيع الأرقام وحدها دخولها، حيث يتوقف العقل، فهناك أشياء يمكن للعقل أن يبحث فيها، وأشياء لا يستطيع أن يحيط بها إحاطة كاملة، لأننا نعرف الكثير عن الجسد، لكننا ما زلنا نواجه أسئلة كبرى حول الوعي والموت وطبيعة الوجود. نعرف قوانين كثيرة في الكون، لكن معرفتنا لا تجعل الإنسان محيطًا بكل شيء، وهذا ليس انتقاصًا من العقل، بل هو احترام للعقل، والإنسان الذي يعرف أنه محدود أكثر نضجًا من إنسان يعتقد أنه يستطيع تفسير كل شيء، ولهذا جاءت الرسالة الدينية لتضع الإنسان أمام حقيقة أكبر من غروره المعرفي: هناك عالم مشهود، وهناك غيب، وهناك حدود لما يمكن للإنسان أن يعرفه.
قال تعالى: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا»، فهذه الآية لا تدعو إلى تعطيل العقل، بل تضع المعرفة الإنسانية في حجمها الحقيقي، فالقرآن نفسه يدعو إلى النظر والتدبر والتفكر، لكنه في الوقت ذاته لا يجعل العقل مصدرًا مطلقًا لكل حقيقة، وهنا تتكامل العلاقة: (عقل يبحث، ووحي يهدي، وإنسان يعرف أن الطريق إلى الحقيقة ليس دائمًا في المزيد من الأسئلة).
متى يصبح السؤال وسواسًا؟
السؤال الصحي يُضيف إليك شيئًا، أما السؤال المُرهق فيأخذ منك شيئا، فإذا جعلك السؤال أكثر فهمًا، فاستمر، وإذا جعلك أكثر قدرة على التمييز، فاستمر، وإذا دفعك إلى البحث والعمل والإصلاح، فاستمر، لكن إذا جعلك تعيد المشهد نفسه مئات المرات، وتفتش عن يقين يستحيل أن تحصل عليه، وتحوّل كل إجابة إلى سؤال جديد، فقد لا تكون في رحلة معرفية، بل في دائرة استنزاف. وهنا يحتاج الإنسان إلى التوقف، فليس كل باب يجب أن نفتحه، وليس كل غيب مطلوبًا منا أن نقتحمه، وليس كل سؤال يستحق أن يأخذ من أعصابنا ووقتنا وطمأنينتنا.
إن الحقيقة ليست دائمًا في مزيد من الأسئلة، فمن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان أن الاعتراف بعدم المعرفة ليس عيبًا، فلقد أصبحنا نعيش في زمن يطلب من الإنسان أن يكون خبيرًا في كل شيء، وكأن الجهل المؤقت أصبح جريمة، لكن الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف كل شيء، والمشكلة تبدأ عندما نرفض هذه الحقيقة، عندها قد يتحول العقل من وسيلة للمعرفة إلى آلة للشك، ومن هنا يأتي الإيمان بوصفه ليس خصمًا للعقل، وإنما إطارًا للمعنى عندما تصل المعرفة البشرية إلى حدودها.
الوحي لا يقول للإنسان: لا تفكر، بل يقول له، بصورة أعمق( فكر، ولكن لا تتوهم أنك أحطت بكل شيء)، وهذه نقطة شديدة الأهمية في زمن الذكاء الرقمي، فكلما ازدادت قدرة الإنسان على الوصول إلى المعلومات، ازدادت حاجته إلى البصيرة، وكلما أصبحت الإجابات أسرع، أصبح التمييز بينها أهم، وكلما اتسعت التكنولوجيا، ازدادت حاجتنا إلى سؤال: ماذا ينبغي أن نفعل؟.
ليست المشكلة في العقل، وليست أن الإنسان يفكر كثيرًا، بل في أن يفكر بلا اتجاه. وليست المشكلة في السؤال، أو أن يفقد السؤال غايته، بل في البحث عن الحقيقة. إن المشكلة أن يتحول البحث نفسه إلى ذريعة للهروب من الحقيقة.
الإيمان ليس نهاية للعقل
لقد منح الله الإنسان عقلًا ليبصر به، لا ليهلك به نفسه، ومنحه القدرة على السؤال، لكنه لم يمنحه القدرة على الإحاطة بكل شيء، ومنحه أبواب المعرفة، وترك أمامه أبوابًا من الغيب لا يملك مفاتيحها. وهنا يصبح الإيمان ليس نهاية للعقل، وإنما راحة للعقل بعد أن يؤدي مهمته، فأعظم حكمة قد يصل إليها الإنسان ليست أن يعرف جواب كل سؤال، بل أن يعرف أي الأسئلة يستحق الإجابة، وأيها ينبغي أن يتركه لله.
ففي زمن السرعة، نحتاج إلى التمهل، وفي زمن كثرة المعلومات، نحتاج إلى الحكمة، وفي زمن الأسئلة التي لا تنتهي، نحتاج إلى يقين لا تهزه كل إجابة جديدة، وعندما يعجز العقل عن رؤية نهاية الطريق، لا يعني ذلك أن الطريق بلا نهاية. ربما يعني فقط أننا وصلنا إلى الحد الذي خُلقنا عنده، وأن هناك حقيقة أكبر من قدرتنا على الإحاطة. وهنا لا يكون الرجوع إلى الله هروبًا من السؤال، بل عودة إلى المصدر الذي يمنح السؤال معناه، ويمنح الإنسان الطمأنينة التي لا تستطيع كثرة المعلومات أن تمنحها.
وقفة
قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، فقد يكون أجمل ما نتعلمه في نهاية كل هذه الأسئلة أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إجابة جديدة؛ أحيانًا يحتاج إلى قلب أكثر سكونًا، وعقل يعرف حدوده، وإيمان يعرف طريقه، فلا تبتعد عن الله كلما كثرت أسئلتك؛ اقترب منه أكثر، فليس كل مجهولٍ مأمورًا بأن تعرفه، وليس كل سؤالٍ مأمورًا بأن تجيب عنه، وليس كل طريقٍ إلى اليقين يمر عبر مزيد من الشك، والحكمة ليست أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف متى تسأل، ومتى تتوقف، ومتى تقول بقلب مطمئن: الله أعلم.