الهادي التليلي
الفرق بين إيران كدولة لها حدود جغرافية معينة ونظام سياسي مخصوص وشعب له مميزاته ونظام حكم يسيرها، وبين المشروع الإيراني الصفوي كتصور سياسي وأيديولوجي يركز على توظيف الهوية الفارسية الشيعية في السياسة منطلقة إرث الدولة الصفوية الإمبراطورية التاريخية والتي استمرت من 1501 و1735، وعلى الرغم من كون هناك مسافة بين الدولة الصفوية والجمهورية الإيرانية التي قامت على ولاية الفقيه سنة 1979 هذا في الظاهر، ولكن هناك نقطة التقاء مفصلية حيث إن حلم هذه الجمهورية تأسيس إمبراطورية فارسية على حساب الأجوار والانطلاق بالهلال الإيراني الذي تتجاوز حدوده حدود الدولة لتشمل العراق وسوريا ولبنان وأيضاً تضاف إليه اليمن وصولاً إلى الحلم الفارسي الكبير.
من المفارقات أن الدولة الإيرانية وهي مدنية منطلقاتها من الماضي والتاريخ ومستقبلها نموذجها ماضوي لا تاريخاني معايش للحظته الراهنة، وكذلك الدولة تعيش وهناً اجتماعياً واقتصادياً لم تر له الدولة مثيلاً، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي انكماشاً يصل إلى 5,4 بالمائة نتيجة الحرب مع أمريكا، وكذلك جراء العقوبات الاقتصادية الدولية التي حدت من تصدير النفط ودفعتها نحو الانغلاق عن الاقتصاد العالمي نتيجة تركيز الدولة على الصناعات العسكرية التي استنزفت كل إمكانيات البلاد، ودعمها الضخم لعملائها في المنطقة على حساب شعبها الذي فر منه رجال الأعمال بما تبقى لهم، وبقي من تبقى يعيش متعة الانتصارات الحربية وويلات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
من جهة أخرى تحاول أن تتغذى بالحروب سواء كانت مباشرة أو بالوكالة حتى تظهر للعالم بصورة القوي وتغطي ضعفها المحلي وتوحد الصف الداخلي حول قضية واحدة وتلهيه عن مشاكله الأساسية.
تجميع الرأي العام الداخلي تحت سقف حلم واللعب على المشاعر العقدية وحلم الدولة النووية المنيعة، وصناعة صورة العدو الواحد والخطر الجماعي كلها مسكنات تصنعها الدولة الإيرانية لإطالة عمرها.
من هنا كانت الحروب مخرجاً لإنقاذ النظام من السقوط مثلها مثل التفاحة التي تسكنها دودة تراها من الخارج متماسكة ولكن من الداخل تنخرها الدودة ولكن سقوطها يكون مرة واحدة، وهو ما حصل تاريخياً مع الاتحاد السوفياتي السابق ومع الإمبراطورية العثمانية.
إيران كدولة وكمشروع صفوي توسعي تنعشها الحروب وتغطي مناطق ضعفها وتوحد جبهتها الداخلية حتى يصبح كل من يحاول معارضتها في خانة الخائن للوطن والدين والأمة كذلك، وهذا مهم حربها مع أي طرف يخرجها من عزلتها لأنه يجمع إلى صفها خصوم ومنافسي المتحارب ضده وتكسب دعماً لوجستياً وعسكرياً وحتى اقتصادياً أحياناً، ويفتح لها مجالات حوية لا حصر لها.
في حين في حال السلام وبعيداً عن مجريات الحروب تتفتح أعين المواطنين على الوضع الداخلي القاتل والحاجة تدفع على الاحتجاج كما يقال ومن ثَمَّ تسقط التفاحة التي حملت الحروب على تماسكها، فمن يريد أن يضرب إيران عليه أن يتركها تسقط في حال السلام.