د. محمد بن أحمد غروي
أضحت «السياحة الحلال» ظاهرة عالمية لا تقتصر على الدول الإسلامية فحسب، بل شملت أيضًا دولا غير مسلمة عملت على توفير بنية تحتية للسياح المسلمين لأداء شعائرهم الدينية أثناء سفرهم وتلبية الاحتياجات الأساسية للسياح المسلمين وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية أثناء رحلاتهم. وذلك استجابة لارتفاع أعداد المسلمين المسافرين في جميع أنحاء العالم، وزيادة الوعي بالممارسات الدينية.
وبحسب مؤشر السفر الإسلامي العالمي لعام 2025 بلغ عدد المسافرين المسلمين الدوليين حوالي 176 مليون مسافر في عام 2024، ومن المتوقع أن يرتفع ليصل إلى 245 مليون مسافر بحلول عام 2030. ومن المتوقع أن ينفق المسافرون المسلمون أكثر من 200 مليار دولار سنويًا هذا العام ، مع زيادة متوقعة 15 % مستقبلا ما يجعل قطاع السياحة الحلال واعدًا وسريع النمو. كما يشير التقرير الصادر هذا العام إلى أن هناك نموًا متزايدًا لعدد السياح، كما برزت منطقة جنوب شرق آسيا كوجهة رئيسية خلال عام 2026، مدعومة بقربها من أسواق التصدير الرئيسية، وشبكة المواصلات الإقليمية القوية، والبنية التحتية المتطورة الملائمة للمسلمين.
صنف المؤشر 150 وجهة سياحية بناءً على مدى تلبيتها لاحتياجات الزوار المسلمين، مع الأخذ في الاعتبار عوامل تشمل الطعام الحلال، ومرافق الصلاة، وسهولة الوصول، والسلامة، والاتصالات، والخدمات السياحية. وتصدرت في وجهات السياحة الحلال دولة ماليزيا تليها إندونيسيا، ثم السعودية، فتركيا، ثم قطر.
ومن بين الوجهات غير الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، حافظت سنغافورة على صدارتها واحتلت المرتبة الحادية عشرة عالميًا، برصيد 73 نقطة. وتُساهم المبادرات الحكومية السنغافورية في دعم تطوير السياحة الحلال، والترويج للبلاد كوجهة سياحية مُلائمة من خلال حملات مُوجهة وشراكات مع منظمات دولية. فيما توفر الدعم المالي وبرامج التدريب للشركات للحصول على شهادة الحلال. كما تستضيف البلاد فعاليات مثل مهرجان سنغافورة السنوي للمطاعم الحلال، الذي يُبرز التنوع الغذائي في المدينة، ما يضعها بقوة على خريطة السياحة الحلال عالميًا.
كما تقدمت هونغ كونغ إلى المرتبة الثانية بين الوجهات غير الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، بينما تقاسمت تايوان والمملكة المتحدة المركز الثالث. فيما شهدت تايلاند والفلبين واليابان وكوريا الجنوبية نموًا ملحوظًا، مما يعكس استثمارات أوسع في تجارب سفر للمسلمين أكثر شمولًا في جميع أنحاء آسيا.
وحافظت ماليزيا على الصدارة بفضل ما تقدمه من بيئة سياحية متكاملة تراعي احتياجات المسلمين، حيث تتوفر فيها الأطعمة الحلال، وأماكن الصلاة، والخدمات المعتمدة، والبنية التحتية السياحية الحديثة على نطاق واسع في جميع أنحاء البلاد، مدعومة بمبادرات حكومية قوية مثل حملة «زيارة ماليزيا 2026». كما تجمع ماليزيا بين التراث الإسلامي والمعالم السياحية العالمية، والخدمات الرقمية، والمعايير العالية باستمرار، فأضحت المعيار العالمي للسياحة الملائمة للمسلمين.
عملت وزارة السياحة في إندونيسيا مع مؤسسات وشركاء آخرين لإطلاق مؤشر إندونيسيا للسفر الإسلامي ويقيس المؤشر مدى جاهزية المحافظات لتطوير السياحة المُلائمة للمسلمين وفقًا للمعايير الدولية. كما حددت الحكومة السياحة الملائمة للمسلمين كقطاع إستراتيجي لتنويع الأسواق المصدرة، وجذب المزيد من الزوار الدوليين، وتعزيز النمو المستدام في السنوات المقبلة.
أما فيتنام فقد استضافت هذا العام مؤتمر السياحة الحلال الأول في البلاد في مدينة نها ترانج الساحلية تحت شعار «فيتنام - وجهة جديدة للسياحة الحلال». مستقبلة العام الماضي حوالي 600 ألف من الزائرين المسلمين، أي ما يعادل 3 % تقريباً من إجمالي عدد السياح الدوليين، كما وطدت علاقاتها بدول مجلس التعاون الخليجي، ومنح المجلس شهادة برنامج اعتماد الحلال إلى مركز اعتماد الحلال الوطني الفيتنامي (HALCERT).
بينما تشير بيانات اقتصادية إلى أن الفلبين استقبلت 630 ألف زائر مسلم في عام 2024، بزيادة قدرها 23% عن العام السابق. وفي يونيو الماضي نُظِم في العاصمة مانيلا أول منتدى للسياحة الحلال في الفلبين. كما أطلقت الفلبين العام الماضي دليلها السياحي حول السياحة الملائمة للمسلمين، والذي شكل مرجعًا قيّمًا حول السياق الثقافي والتراث الغذائي والوجهات السياحية المناسبة للمسافرين المسلمين.
فيما تسعى تايلاند إلى تحسين المرافق والخدمات الملائمة للمسلمين، وتطبيق نظام اعتماد معترف به، وضمان سياسات أكثر وضوحًا لجذب المزيد من المسافرين المسلمين، بعدما احتلت المرتبة الخامسة بين الوجهات السياحية للمسلمين خارج منظمة التعاون الإسلامي، بل وأطلقت تطبيقًا خاصًا بالسياحة الحلال في البلاد.