صبحي شبانة
في الشرق الأوسط، لا تكفي قراءة ما يقوله القادة لمعرفة اتجاه الأحداث، فكثيراً ما تكون الحسابات التي لا تُقال أكثر تأثيراً من التصريحات التي تتصدر المشهد، وهذا ما يجعل الموقف الأميركي من رفض بنيامين نتنياهو لخطة إنهاء الحرب في غزة جديراً بالتأمل، فالرئيس دونالد ترامب، الذي اعتاد ألا يترك تحدياً يمر من دون رد، بدا حتى الآن أكثر هدوءاً مما توحي به طبيعة الخلاف، وكأن في الأمر حسابات تتجاوز تفاصيل الخطة نفسها.
نتنياهو لم يرفض مجرد مقترح لإنهاء حرب، وإنما وضع نفسه أمام معادلة دقيقة: أن يحافظ على دعم قاعدته اليمينية في الداخل من جهة، وألا يخسر شراكة ترامب من جهة أخرى، وبين هذين الخيارين تتحرك إسرائيل نحو انتخابات قد تعيد رسم خريطتها السياسية، بينما تحاول واشنطن إنهاء حرب تريد أن تجعل من إيقافها إنجازاً سياسياً، لا سيما بعد أن أصبحت غزة عنواناً لأزمة إقليمية ودولية لم يعد ممكناً إبقاؤها مفتوحة إلى ما لا نهاية..
..السعودية تتعامل مع المشهد من زاوية أوسع، فهي لا تنظر إلى غزة باعتبارها معركة بين نتنياهو وترامب، ولا باعتبارها مجرد ملف تفاوضي عابر، وإنما باعتبارها جزءاً من معادلة أمن واستقرار إقليمي أوسع ، ولا باعتبارها مجرد ملف تفاوضي عابر، وإنما باعتبارها جزءاً من معادلة أمن واستقرار إقليمي أوسع، ولهذا يصبح السؤال الحقيقي أبعد من مصير خطة بعينها فهل تنجح الحسابات الانتخابية في إطالة الحرب، أم تفرض الحاجة إلى تسوية إقليمية نفسها على الجميع، بحيث تصبح نهاية الحرب بداية لمسار سياسي جديد؟
المفارقة أن نتنياهو، وهو يرفض الخطة الأميركية، لا يواجه ترامب فقط، وإنما يواجه أيضاً الزمن، فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة تقترب، وكل يوم يمر يعيد ترتيب الحسابات داخل معسكره وخارجه، وما كان يمكن أن يبدو قراراً أمنياً خالصاً في ظروف أخرى أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بمستقبل رئيس الحكومة نفسه.
نتنياهو يعرف جيداً قيمة العلاقة مع واشنطن، ويعرف أكثر قيمة دونالد ترامب بالنسبة إلى إسرائيل، فالرئيس الأميركي منح الحكومة الإسرائيلية دعماً سياسياً واسعاً، ولعب دوراً محورياً في ملف الرهائن، كما جعل من إنهاء الحروب وإعادة رسم خريطة المنطقة جزءاً من صورته السياسية، ولذلك لم يكن من السهل على نتنياهو أن يواجهه علناً، لكنه وجد نفسه أمام مشكلة أكثر إلحاحاً في الداخل الإسرائيلي، فاليمين الذي يعتمد عليه لا يريد نهاية للحرب تبدو في نظره تراجعاً، ولا يريد اتفاقاً يمكن تفسيره على أنه نتيجة لضغوط أميركية، ولا يريد أن تمنح نهاية الحرب خصوم نتنياهو فرصة لفتح الملفات المتعلقة بإدارته للحرب ومسؤوليته السياسية عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
وهكذا يصبح استمرار الحرب، جزءاً من معادلة البقاء السياسي، كلما استمرت الحرب، بقيت إسرائيل في حالة طوارئ سياسية وأمنية، وكلما بقيت حالة الطوارئ، تأجلت الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة، أما إذا انتهت الحرب باتفاق، فإن الإسرائيليين سيبدأون بالضرورة في النظر إلى ما حدث من بدايته إلى نهايته، وسيكون السؤال عن المسؤولية أكثر إلحاحاً، وهذا ما يجعل رفض نتنياهو لخطة غزة مفهوماً في إطار حساباته الانتخابية، حتى لو بدا شديد الكلفة على علاقته بترامب.
في السياسة، لا يختار القادة دائماً ما هو أفضل للدولة، وإنما ما يعتقدون أنه أفضل لموقعهم في اللحظة الراهنة، وقد يكون هذا أحد أسباب التناقضات التي تبدو في سلوك نتنياهو، فهو يحتاج إلى ترامب، لكنه يحتاج إلى اليمين أكثر، ويحتاج إلى إنهاء الحرب، لكنه يخشى نتائج إنهائها، ويريد استعادة الأمن، لكنه لا يريد أن تبدأ بعد ذلك مباشرة مرحلة الحساب السياسي، دونالد ترامب من جانبه يريد أن يخرج من حرب غزة بصورة مختلفة عن تلك التي دخلت بها الإدارات الأميركية السابقة إلى حروب الشرق الأوسط، ترامب يريد اتفاقاً يمكن أن يقدمه للرأي العام الأميركي بوصفه دليلاً على قدرته على إنهاء الحروب، ويريد أن يثبت أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى خوض حرب طويلة كي تفرض ترتيباتها السياسية،
ولهذا فإن غزة بالنسبة إلى ترامب ليست قضية شرق أوسطية فقط، إنها جزء من صورته السياسية، وكلما طال أمد الحرب أصبح من الصعب عليه تقديم نفسه باعتباره الرئيس الذي استطاع أن يغلق الملفات المفتوحة، وكلما اقترب من اتفاق ازدادت حاجته إلى شركاء قادرين على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه على الأرض.
وهنا تظهر السعودية، فالمعادلة المقبلة في غزة لن تكون مجرد اتفاق بين واشنطن وتل أبيب حتى لو استطاعت الولايات المتحدة إقناع إسرائيل والفلسطينيين بوقف القتال، فإن اليوم التالي سيحتاج إلى غطاء عربي واسع، وإلى تمويل وإعادة إعمار، وإلى ترتيبات سياسية وأمنية لا تستطيع واشنطن وحدها توفيرها، السعودية تمتلك في هذا السياق عناصر قوة تجعل دورها مختلفاً، هي دولة محورية في العالم العربي، وشريك استراتيجي للولايات المتحدة، وثقل اقتصادي قادر على المساهمة في إعادة الإعمار، كما أنها تتمتع بعلاقات واسعة مع الأطراف العربية والإسلامية، وتدفع منذ سنوات باتجاه معالجة أصل الصراع لا الاكتفاء بإدارة نتائجه، ومن هنا فإن الدور السعودي في غزة لا ينبغي أن يُختزل في المساعدات أو في الوساطة، الأهم هو قدرتها على المساهمة في صياغة اليوم التالي للحرب.
غزة لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، وإنما تحتاج إلى صيغة سياسية تضمن عدم العودة إلى الحرب، وتحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإلى إدارة قادرة على العمل، وإلى ترتيبات أمنية تمنع تحول القطاع مرة أخرى إلى ساحة مواجهة، وإلى أفق سياسي يعيد القضية الفلسطينية إلى مسارها الطبيعي، وهذه كلها ملفات تحتاج إلى طرف عربي كبير يستطيع أن يجمع بين النفوذ السياسي والقدرة الاقتصادية والعلاقات الدولية، وهنا تصبح السعودية جزءاً من الحل، لا مجرد طرف في التفاوض، فالرياض لا تبحث عن انتصار طرف على طرف، بقدر ما تبحث عن استقرار يمكن أن يصمد، وهذا يفسر أهمية أي تحرك سعودي في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا انتقلت المفاوضات من مسألة وقف القتال إلى مسألة بناء النظام الذي سيحكم غزة بعد الحرب، ذلك أن السؤال الأصعب ليس كيف نوقف الحرب، وإنما ماذا نفعل في اليوم التالي؟، من يدير القطاع؟، كيف تتم إعادة الإعمار؟، من يضمن الأمن؟، ما مستقبل حماس؟، كيف تعود السلطة الفلسطينية إلى المشهد؟، وكيف يمكن منع إسرائيل من العودة إلى الحرب كلما شعرت بأن تهديداً أمنياً ظهر في غزة؟
هذه الأسئلة لا يستطيع نتنياهو وحده الإجابة عنها، ولا تستطيع واشنطن حلها من دون العرب، ولا يمكن أن تكون قابلة للحياة من دون مشاركة فلسطينية.
ومن هنا فإن الرهان على السعودية يبدو أكثر أهمية كلما اقتربت المفاوضات من مرحلة الترتيبات النهائية، لكن المشكلة الإسرائيلية الداخلية قد تظل العقبة الأكبر.
فصعود غادي آيزنكوت في المشهد السياسي يضيف إلى نتنياهو ضغطاً جديداً آيزنكوت ليس مجرد سياسي يسعى إلى إسقاط رئيس الحكومة؛ إنه جنرال سابق يعرف المؤسسة العسكرية، ويستطيع مخاطبة الإسرائيليين من داخل مفهوم الأمن الذي يحتكر نتنياهو الحديث باسمه، وهذا النوع من المنافسة شديد الخطورة على رئيس الوزراء، فالناخب الإسرائيلي الذي يخشى الحرب لا يريد بالضرورة أن يسمع خطاباً يدعو إلى الاستسلام، لكنه قد يكون مستعداً للاستماع إلى قائد أمني يقول إن القوة يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى نتيجة، لا غاية مفتوحة إلى الأبد، وهنا يمكن فهم حساسية موقف نتنياهو، هو لا يخشى فقط أن يخسر الاتفاق، بل يخشى أن يخسر الرواية.
إذا انتهت الحرب من دون تحقيق كل الأهداف التي رفعها، فسوف يقول خصومه إنه فشل، وإذا استمرت الحرب بلا نهاية، فسوف يقول آخرون إنه عاجز عن إنتاج مخرج سياسي، وإذا قبل خطة ترامب، فسوف يتهمه اليمين بالتراجع، أما إذا رفضها، فقد يدخل في مواجهة مع رئيس أميركي لا يحب أن يُقال له لا، إنه بمعنى آخر أمام خيارين كلاهما مكلف، وقد اختار حتى الآن ما يراه أقل خطراً على بقائه السياسي، لكن السؤال هو: هل يستطيع أن يضمن أن ترامب سيرى الأمر بالطريقة نفسها؟، هذه هي النقطة الأكثر غموضاً في المشهد، ترامب قد يصبر على نتنياهو حتى الانتخابات، وقد يترك له مساحة للمناورة، وقد يفضل عدم الدخول في مواجهة علنية معه، خصوصاً إذا كان يرى أن الضغط المباشر قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، لكن ترامب أيضاً رجل سياسي شديد الحساسية تجاه صورته ونفوذه، وإذا اقتنع في لحظة ما بأن نتنياهو أصبح عقبة أمام مشروعه في غزة، فقد يعيد حساباته، ولن يحتاج إلى إعلان الحرب السياسية عليه، يكفي أن يفتح الباب أمام الآخرين، يكفي أن يستقبل خصوماً سياسيين لنتنياهو في البيت الأبيض، يكفي أن يمنح البديل المحتمل مساحة.
فالسياسة الأميركية لا تحتاج دائماً إلى إعلان التخلي عن حليف حتى تبدأ مرحلة البحث عن بديل، وهنا يصبح صعود آيزنكوت أكثر أهمية، فإذا استمر في التقدم في استطلاعات الرأي، فقد تبدأ واشنطن في التعامل معه باعتباره احتمالاً جدياً، لا مجرد منافس انتخابي، وإذا حدث ذلك، فإن حسابات نتنياهو ستصبح أكثر صعوبة.
لكن السعودية ستجد نفسها في المقابل أمام مشهد جديد، فهي لا تراهن على شخص بعينه، وإنما على مسار، وهذه ميزة استراتيجية مهمة، لأن الدول الكبرى لا تستطيع أن تبني سياساتها على بقاء حكومة أو سقوطها، ما يهمها هو أن تظل مصالحها واضحة وثابتة.
السعودية من هذا المنطلق تستطيع أن تتحرك لوضع القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي في قلب أي ترتيب، وهذا يختلف عن منطق الانتخابات، الانتخابات تريد نتيجة سريعة، أما الاستقرار فيحتاج إلى وقت، السياسي يريد اتفاقاً يستطيع أن يبيعه لجمهوره.
أما الدولة فتحتاج إلى اتفاق يستطيع أن يعيش بعد رحيل السياسي، وهنا تكمن القيمة الحقيقية للدور السعودي.
فالمنطقة عانت طويلاً من تسويات مؤقتة تُسكت السلاح ولا تنهي أسباب الحرب، وما تحتاجه اليوم ليس هدنة أخرى تنتهي بعد أشهر، وإنما صيغة جديدة تمنح الفلسطينيين أملاً سياسياً بدولة قابلة للحياة، وتمنح إسرائيل ضمانات أمنية، وتفتح الباب أمام إعادة إعمار غزة، وتمنع المنطقة من العودة إلى الحلقة نفسها، ولهذا فإن السعودية تستطيع أن تكون جسراً بين وقف الحرب وبين بناء السلام، لكن الطريق ليس سهلاً، فالولايات المتحدة تريد نتيجة سريعة، ونتنياهو يريد نتيجة تخدم انتخاباته، وحماس تريد ضمانات لمستقبلها، والسلطة الفلسطينية تريد استعادة دورها، والدول العربية تريد منع تهجير الفلسطينيين وإنهاء الحرب، والمجتمع الدولي يريد إعادة بناء غزة من دون أن يعيد بناء أسباب الحرب.
هذه المصالح المتعارضة تجعل أي اتفاق هشاً ما لم توجد قوة سياسية قادرة على جمعها، وقد تكون السعودية، إلى جانب أطراف عربية ودولية أخرى، من أكثر الأطراف قدرة على القيام بهذا الدور، لذلك فإن مستقبل خطة غزة لن يتحدد فقط في تل أبيب أو واشنطن، جزء مهم منه سيتحدد في العواصم العربية التي ستشارك في صياغة اليوم التالي، وفي مقدمتها الرياض، وهنا تعود المسألة إلى نتنياهو وترامب، كلاهما يريد أن ينتصر في الجولة المقبلة، لكن كل واحد منهما يعرف أن الانتصار له معنى مختلف، نتنياهو يريد البقاء، وترامب يريد الإنجاز، أما المنطقة فتريد نهاية للحرب، والفارق بين الأهداف الثلاثة هو الذي سيحدد ما إذا كانت غزة ستخرج من الحرب إلى السلام، أم من حرب إلى حرب أخرى.
ربما ينجح نتنياهو في تأجيل التسوية إلى ما بعد الانتخابات. وربما يقرر ترامب في لحظة ما أن كلفة الصبر أصبحت أعلى من كلفة الضغط، وربما تفتح الانتخابات الإسرائيلية الباب أمام قيادة جديدة تعيد تعريف العلاقة مع واشنطن وتتعامل مع الملف الفلسطيني بطريقة مختلفة،
لكن أياً يكن ما سيحدث، فإن مرحلة ما بعد الحرب أصبحت أكبر من نتنياهو وأكبر من ترامب، غزة تحتاج إلى مشروع، لا إلى صفقة فقط، وتحتاج إلى إعادة إعمار، لا إلى هدنة فقط، وتحتاج إلى أفق سياسي، لا إلى إدارة للأزمة.
وفي هذا المشهد، تستطيع السعودية أن تلعب دوراً يتجاوز الوساطة التقليدية إلى المشاركة في بناء معادلة إقليمية جديدة، يكون فيها إنهاء الحرب خطوة أولى نحو استقرار أوسع، لا استراحة قصيرة قبل جولة جديدة، لذلك قد لا يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: هل يستطيع نتنياهو تحدي ترامب؟، أم هل يستطيع ترامب إجبار نتنياهو على القبول؟
السؤال الأهم هو: هل يستطيع الجميع، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة والقوى العربية والفلسطينيون، أن يخرجوا من منطق الحسابات القصيرة إلى منطق اليوم التالي؟
إذا حدث ذلك، فإن غزة قد تكون بداية لتحول أكبر في المنطقة، أما إذا بقيت الانتخابات هي التي تقرر الحرب، وبقيت الحرب هي التي تحدد الانتخابات، فإن المنطقة ستظل تدور في الحلقة نفسها، والفارق هذه المرة أن السعودية تبدو أكثر استعداداً للمساهمة في كسر هذه الحلقة، ليس بفرض حل على أحد، وإنما ببناء مساحة عربية وإسلامية وإقليمية تجعل السلام ممكناً عندما تتوافر الإرادة السياسية، فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى منتصر جديد، إنه يحتاج إلى نهاية للحرب.