ناصر بن فريوان الشراري
لم تكن الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، بالشكل الذي آلت إليه اليوم، وليدة الصدفة المحضة أو نتيجة تحولات أيدولوجية عفوية، بل جاءت ثمرة هندسة سياسية مقصودة أعادت رسم القوى الإقليمية وفق مفهوم «الفوضى الخلاقة» إدارة وتأثيراً، وإن السؤال عن كيفية وصول المليشيات المسلحة والمحسوبة على المشروع الإيراني إلى سدة الحكم في بغداد وإلى أطراف الحدود في صنعاء، ليصبحوا جيراناً مباشرين لدول الخليج العربي، هو السؤال المحوري الذي يكشف طبيعة الأدوار الوظيفية في النظام الدولي.
1. الغطاء الغربي ورفع الحظر عن «الدور الوظيفي»
تبدأ حكاية التمكين من لحظة الفراغ السياسي والعسكري الذي أحدثه الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003، لم تكن عملية إسقاط الدولة العراقية وبنيتها المؤسسية مجرد خطأ أمني، بل كانت تفكيكاً متعمداً لمصدّ دفاعي تاريخي أمام التمدد الشرقي، ومع تعاقب الإدارات الأمريكية، وتحديداً خلال حقبة باراك أوباما، تبلورت رؤية واضحة تعتمد على «توازن الردع المحلي» بدلاً من التدخل المباشر.
في تلك الأثناء، جرى فتح الأبواب أمام قيادات الفصائل والمليشيات للتغلغل في أجهزة الدولة العراقية وتحت مظلة الدعم والغطاء الدوليين، لم يكن الغرب عاجزاً عن رصد الصعود السريع لهذه القوى المتطرفة ورعاتها الإقليميين، بل اعتُبر وجودها زاوية حاسمة لخلق توازن يستنزف قدرات البيئة العربية ويُبقي المنطقة في حالة إنهاك دائم.
2. التماس المستهدف: من بغداد إلى صنعاء
تكرر المشهد ذاته بحذافيره في اليمن عقب أحداث عام 2011، حيث بدا واضحاً الغض المريب عن تمدد الحركة الحوثية من صعدة وصولاً إلى العاصمة صنعاء في 2014، كان التساهل الغربي والدبلوماسي الواضح مع تسليم مقدرات الدولة اليمنية لفصيل مسلح محدد يُترجم بقناعة استراتيجية لدى أجنحة واشنطن والغرب: أن وجود قوة أيدولوجية متطرفة على التماس المباشر مع حدود المملكة العربية السعودية يخدم هدف استنزاف قدرات الدولة الرائدة في المنطقة.
هذه الرؤية ليست مجرد فرضية سياسية، بل حقيقة براغماتية تُترجم واقعياً عبر تفاهمات وتوازنات خلف الكواليس، فالمؤسسات الدولية والأجنحة السياسية الغربية كثيراً ما نظرت إلى المليشيات الوظيفية باعتبارها «أدوات ضبط وضغط» يُمكن استخدامها كفزاعة أمنية لابتزاز دول الخليج، وإدارة أزمات الطاقة، وتنشيط صفقات السلاح، وتفتيت أي مشروع نهضوي عربي موحد.
3. تقاطع المصالح: البراغماتية فوق الشعارات
رغم الشعارات الاستعراضية والمزايدات السياسية التي ترفعها «ملالي طهران» ووكلاؤها في المنطقة، إلا أن العقيدة الاستراتيجية لدى الأطراف الفاعلة الدولية (بما فيها القوة الإسرائيلية) طالما ميزت بين الضجيج الإعلامي والواقع الجيوسياسي، فالخلافات بين هذه الأطراف والمليشيات الوظيفية غالباً ما تكون خلافات تكتيكية على نفوذ أو ملفات التفاوض، وليست صراعاً وجودياً لإنهاء الطرف الآخر، فالغاية النهائية من وجود هذه المليشيات هي تفتيت الدولة الوطنية العربية وتحويل الإقليم إلى بؤر متصارعة.
4. حكمة الصبر الاستراتيجي وتفكيك الفخ
أمام هذا المخطط الذي يسعى لجرّ دول المنطقة «وفي مقدمتها السعودية» إلى صراعات مباشرة، جاء الرد القيادي واعياً ومدركاً لعمق الفخ، إن الامتناع عن الانجرار لمواجهات مفتوحة تُدار بشرارات خارجية لم يكن ضعفاً، بل كان حكمة وحسابات دقيقة لحفظ المكتسبات الوطنية.
لقد استطاعت القيادة السعودية تفكيك أبعاد هذه اللعبة الجيوسياسية عبر:
- الصبر الاستراتيجي: الحفاظ على مقدرات الدولة الداخلي ومكتسباتها التنموية، وتفويت الفرصة على من يرغب في جعلها طرفاً في حرب استنزاف.
- إعادة تشكيل التحالفات: الانتقال نحو دبلوماسية متعددة الأقطاب تجعل من السعودية لاعباً دولياً مركزياً لا يمكن تجاوزه أو فرض معادلات أمنية عليه.
- إدارة أوراق القوة: اختيار توقيت الرد السياسي والأمني بقرار سيادي خالص، بعيداً عن الرغبات والتوقعات الخارجية.
خلاصة القول :
إن الذين مكنوا المليشيات الوظيفية في العراق واليمن كانوا يراهنون على منطقة عربية ممزقة ومستنزفة، تعيش تحت تهديد الحدود المشتعلة بشكل دائم، إلا أن الوعي السياسي والرزانة القيادية أثبتا أن فهم قواعد اللعبة الاستراتيجية يتفوق على المخططات المحبوكة، وأن بذور الفوضى يمكن تحييدها بالصبر والاستقلال والقدرة على بناء القوة الذاتية بعيداً عن التبعية لغير المصالح الوطنية الاستراتيجية.