رسيني الرسيني
أحد أهم معوقات الابتكار هو غياب البيئة التي تتبنى الأفكار الجديدة أو عدم وجود تشريعات تستوعبها، ما يجعل رواد الأعمال يصطدمون بتعقيد المتطلبات النظامية التي قد تحد من إبداعهم وتحول دون وصول أفكارهم إلى السوق. ومن هنا، يمثل إطلاق هيئة التأمين منظومة الابتكار تحولًا مهمًا في العلاقة بين التنظيم والابتكار في سوق التأمين السعودي، فالتنظيم لم يعد مقتصرًا على وضع القواعد ومراقبة الالتزام بها، وإنما أصبح أداة لتمكين الابتكار وتطوير السوق، حيث تتيح البيئة التنظيمية التجريبية للمبتكرين اختبار منتجات وخدمات ونماذج أعمال تأمين جديدة تحت إشراف الهيئة قبل إطلاقها تجاريًا، مما يقلل مخاطر التجربة ويمنح الأفكار الواعدة فرصة لإثبات جدواها.
الأهمية الأكبر للمبادرة أنها لا تتوقف عند البيئة التجريبية فقط، وإنما تغطي رحلة الابتكار من اكتشاف التحديات وتطوير الحلول إلى الاختبار والاحتضان والتسريع ثم دخول السوق، حيث تضم المنظومة تسعة برامج تشمل البيئة التنظيمية التجريبية، والهاكاثونات، واستوديو الحلول، وحاضنة الأعمال، والمسرعة، والانطلاق إلى السوق، إلى جانب برامج للمعرفة والتفاعل مع القطاع. هذا التصميم يعالج إحدى أبرز فجوات الابتكار وهي المسافة بين الفكرة الجيدة وقدرتها على التحول إلى مشروع اقتصادي مستدام. كما تجمع المنظومة شركات التأمين والمبتكرين والمستثمرين والجامعات والجهات التنظيمية، وهو ما قد يخلق سوقًا للأفكار والحلول إلى جانب سوق وثائق التأمين التقليدية.
وإذا نظرنا إلى تجربة السوق السعودي في التقنية التأمينية، نجد أنها تسير إلى ثلاثة مسارات واعدة لنماذج الأعمال. الأول يعتمد على التوزيع الرقمي، كما في منصات المقارنة وتجميع عروض تأمين المركبات، وهو النموذج الأكثر وضوحًا وانتشارًا حتى الآن. والثاني يعتمد على ابتكار المنتجات، خصوصًا التأمين المخصص والتأمين المضمّن Embedded Insurance الذي يجعل التغطية جزءًا من عملية شراء منتج أو خدمة أخرى. أما المسار الثالث، وربما الأكثر تأثيرًا على المدى الطويل، فهو الابتكار التشغيلي داخل شركات التأمين نفسها، باستخدام المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي في الاكتتاب والمطالبات والتسعير وإدارة العمليات. وهنا تتحول التقنية التأمينية من مجرد قناة جديدة لبيع الوثيقة إلى وسيلة لإعادة بناء سلسلة القيمة التأمينية، بما يخفض تكلفة التشغيل ويرفع كفاءة التسعير ويحسن تجربة العميل ويخلق نماذج أعمال لم تكن ممكنة سابقًا.
في تقديري، المرحلة التالية تحتاج إلى بنية تحتية رقمية وبيانية مشتركة تسمح للحلول الجديدة بالنمو والتكامل، وهذا يتوافق مع الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين التي تضع التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي ضمن برامجها الممكنة، وتستهدف تحديث وتوحيد البنية الرقمية، وتحسين جودة البيانات، وتطوير التحليلات المتقدمة، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية وآمنة للقطاع. فكلما تحسنت قدرة السوق على تبادل البيانات بصورة آمنة ومنظمة، اتسعت إمكانات الذكاء الاصطناعي والتسعير الدقيق والتأمين المضمّن وأتمتة الاكتتاب والمطالبات. لذلك قد يكون الاختبار الحقيقي لمنظومة الابتكار ليس فقط في قدرتها على إنتاج شركات تقنية تأمينية جديدة، وإنما في قدرتها على بناء سوق يستطيع استيعاب الابتكار وتحويله من تجارب منفردة إلى بنية اقتصادية مستدامة ترفع كفاءة قطاع التأمين وتنافسيته.
حسنًا، ثم ماذا؟
للشركات ورواد الأعمال، تمثل البيئة التنظيمية والتقنية والبيانات جسرًا حقيقيًا بين أفكارهم والسوق.