خالد قاسم أبو بكر
من موقع المستثمر العربي الذي اختار المملكة العربية السعودية للإقامة والعمل والاستثمار، أستطيع أن أقول إن ما يحدث في الرياض لم يعد مجرد تحول اقتصادي داخلي، بل أصبح قصة إقليمية ودولية تستحق التوقف أمامها. فالعاصمة السعودية التي كانت تُعرف بوصفها مركزًا ماليًا واقتصاديًا مهمًا في المنطقة، باتت اليوم تتقدم بخطوات واثقة نحو موقع أكثر تأثيرًا في صناعة القرار الاقتصادي والاستثماري العالمي.
تأتي أهمية انعقاد النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار (FII10) في الرياض، تحت شعار «قوة الإرث». فهذا الشعار، في تقديري، يتجاوز البعد الرمزي للمؤتمر، لأنه يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا نترك للأجيال القادمة من قراراتنا واستثماراتنا وشراكاتنا اليوم؟
على مدى عشر سنوات، استطاعت المبادرة أن تنتقل من مجرد مؤتمر يجمع المستثمرين وصناع القرار إلى منصة دولية تلتقي فيها رؤوس الأموال بالأفكار، والتكنولوجيا بفرص التنمية، والطموحات الاقتصادية بالشراكات العابرة للحدود. وهذه المكانة لم تكن لتتحقق لولا التحولات العميقة التي شهدتها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030، وأنا كمستثمر أعيش وأعمل في المملكة، لا أنظر إلى هذه التحولات من خلال الأرقام وحدها، وإنما من خلال تجربة يومية أرى فيها كيف تتغير بيئة الأعمال، وتتسارع المشاريع، وتتوسع القطاعات الاقتصادية، وتتولد فرص جديدة أمام المستثمرين من داخل المملكة وخارجها.
لقد تغير مفهوم الاستثمار في المملكة. لم يعد الأمر متعلقًا بالبحث عن عائد مالي سريع، وإنما أصبح جزءًا من مشروع اقتصادي أكبر يستهدف تنويع مصادر الدخل، وتطوير القطاعات الجديدة، واستقطاب التكنولوجيا والمعرفة، وتمكين القطاع الخاص، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والاستثمار، وهنا تكمن أهمية شعار «قوة الإرث». فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه اليوم، وإنما بما تستطيع أن تبنيه للغد. والاستثمار الحقيقي هو الذي يترك وراءه اقتصادًا أكثر قدرة على المنافسة، ومجتمعًا أكثر ازدهارًا، وشبابًا أكثر قدرة على صناعة الفرص، كما أن انعقاد المؤتمر في الرياض يحمل رسالة مهمة للمستثمر العربي والأجنبي. المملكة أصبحت بيئة مفتوحة أمام الكفاءات ورؤوس الأموال والشراكات العربية والدولية، وأصبح نجاح المستثمر مرتبطًا بقدرته على فهم التحولات الجديدة والمشاركة فيها.
ومن وجهة نظري، فإن قوة التجربة السعودية تكمن في الجمع بين الرؤية والطموح وسرعة التنفيذ. فالمشاريع الكبرى ليست غاية في حد ذاتها، وإنما أدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد، وخلق قطاعات جديدة، وفتح مساحات واسعة أمام الاستثمار الخاص، ولذلك فإن النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار ليست احتفالًا بمرور عشر سنوات فقط، وإنما محطة للتفكير في العقد المقبل: كيف سيكون الاقتصاد العالمي؟ وكيف ستتغير حركة رؤوس الأموال؟ وما القطاعات التي ستقود النمو؟ وكيف يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعات الجديدة أن تعيد رسم خريطة الاستثمار؟
ومن الرياض، يبدو أن المملكة لا تريد أن تكون مجرد متلقية لهذه التحولات، وإنما تسعى إلى أن تكون إحدى القوى التي تصنعها وتوجهها، وهذا هو الإرث الحقيقي؛ أن تتحول الرؤية إلى واقع، والفرصة إلى مشروع، والاستثمار إلى قيمة مضافة، والنجاح الفردي إلى أثر يمتد إلى المجتمع والأجيال القادمة، لذلك، فإنني أنظر إلى «قوة الإرث» باعتبارها أكثر من شعار لمؤتمر عالمي؛ إنها تعبير عن مرحلة جديدة في مسيرة المملكة، مرحلة تقول بوضوح إن الرياض لم تعد تكتفي بمواكبة مستقبل الاستثمار، بل بدأت تشارك في صناعته.