د. ياسين علي محمد عزي
قبل أن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة السعودية بعقود، كانت مدارس بإمكانات زمنها تصنع أطباء ومهندسين وقضاة ومعلمين وأكاديميين. واليوم، وقد أصبحت المعرفة أقرب، والتقنية أقدر، والمدرسة أكثر جاهزية، يعود السؤال بصورة أكثر إلحاحًا: ما الذي يمكن أن يصنعه التعليم في الإنسان حين تجتمع له ممكنات لم تكن بين يدي الأجيال السابقة؟ هذا السؤال يقع في صميم المشروع الوطني الذي تقوده قيادتنا الرشيدة، أعزها الله؛ فتنمية الإنسان لم تكن شأنًا منفصلًا عن بناء الدولة السعودية، وجاءت رؤية المملكة 2030 لتمنحها ما يواكب طموح المرحلة من جودة ومعرفة وتقنية ومسارات وفرص. لذلك لا تُقاس قيمة التحول التعليمي بما يدخل المدرسة من أدوات جديدة وحدها، وإنما بما تضيفه إلى عقل الطالب وقدرته وشخصيته، وبما تمكّنه من أن يجعل علمه وكفاءته ومبادرته إسهامًا في صناعة مستقبل وطنه.
لهذا استوقفتني التوجهات التي أعلنها وزير التعليم أخيرًا في مؤتمره الصحفي؛ من تطوير المناهج، وتعزيز التدريس وفق التخصص، وتخفيف الأعباء التشغيلية عن المعلم، والاستثمار في نموه المهني، إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في المحتوى التعليمي، وتقويم المدارس واستكمال جاهزيتها. وقد تبدو هذه ملفات مختلفة حين يُنظر إلى كل واحد منها منفردًا، لكن قراءتها مجتمعة تقود إلى غاية واحدة: أن تتحول جودة ما يحدث داخل المدرسة إلى أثر يظهر في الطالب حين يغادرها إلى المجتمع.
عند هذه الغاية يصبح السؤال أكبر من: ماذا نعلّم أبناءنا؟ وبأي وسيلة نعلّمهم؟ ليصل إلى السؤال الذي يمنح الاثنين معناهما: أيُّ إنسان يصنعه التعليم السعودي؟
هذا السؤال، الذي تطرحه اليوم مدرسة يدخل الذكاء الاصطناعي إلى عالمها، يعيدني أكثر من أربعة عقود إلى مدرسة لم تكن تعرف شيئًا من هذه الأدوات؛ مدرسة فلس الابتدائية في إحدى قرى منطقة جازان. كان أبي، رحمه الله، يصطحبني على ظهر حماره إلى مدرستنا الصغيرة، التي كانت يومها تشغل مبنى مستأجرًا محدود الإمكانات. في أحد فصولها كانت مراوح السقف تدور ببطء في حر جازان، وأمامنا سبورة خضراء يعلوها غبار أبيض من الطباشير، ومقاعد خشبية يجلس عليها أطفال لم يكن أحد يدرك أيَّ مستقبل ينتظرهم.
خرج من تلك المدرسة لاحقًا أطباء ومهندسون وقضاة ومعلمون وأكاديميون، ومضى غيرهم إلى مؤسسات الدولة ومجالات العمل المختلفة، يحمل كل واحد منهم شيئًا من أثر مدرسة لم تكن تعرف يومها أيَّ مستقبل يجلس على مقاعدها.
كانت مدرسة فلس تنتمي إلى بيئة تعليمية لها ظروفها الخاصة؛ مدرسة في قرية بمنطقة جازان، في أقصى جنوب المملكة، محدودة الإمكانات بحكم مكانها وزمنها، لكنها أدت دورًا تجاوز مبناها وأدواتها. كان التعليم هناك يعني للطفل أكثر من درس يتلقاه في فصل؛ كان صلته بعالم أكبر مما يراه حوله، وجزءًا من مشروع وطني جعل العلم من أهم السبل التي يأخذ بها الإنسان السعودي موقعه في بناء وطنه.
حين أستعيد رحلة أبي اليوم، تبدو لي أكثر من ذكرى طريق إلى المدرسة. لم يكن ذلك المزارع يعرف شيئًا عن مصطلحات الشراكة الأسرية أو رأس المال البشري أو نواتج التعلم، لكنه كان يدرك بالفطرة معنى يجمعها جميعًا: أن تعليم ابنه يستحق مشقة الطريق. كان يضع ثقته في المدرسة ويسلّم إليها طفله كل صباح، مؤمنًا بقيمة ما ينتظره خلف باب الفصل. وحتى تلك الدابة التي حملتنا في الطريق لم تبقَ في الذاكرة وسيلة نقل عابرة؛ فقد صارت جزءًا من صورة أب يقود ابنه، بما يملك، نحو حياة لم يكن أيٌّ منهما يستطيع أن يرى ملامحها حينها.
لا أستعيد هذا المشهد حنينًا إلى زمن الطباشير، ولا لأقيم مفاضلة وجدانية بين مدرسة الأمس ومدرسة اليوم؛ فالأداة القديمة لا تكتسب قيمتها من قدمها، وقلة الإمكانات ليست فضيلة تربوية. ما يستحق أن يبقى من ذلك الزمن هو حقيقة أخرى: أن المدرسة استطاعت، بأدوات محدودة، أن تمنح الطفل علمًا وثقة ومسؤولية ظهرت آثارها بعد سنوات في عمله وحياته وخدمته لوطنه.
وهذه حقيقة مهمة في قراءة تاريخ التعليم السعودي؛ فالعناصر التي صنعت أثر المدرسة سبقت وفرة التقنية الحديثة. كان هناك معلم يأخذ رسالته بجدية، وأسرة تؤمن بالتعليم، وطالب يدرك أن الفرصة تحتاج إلى اجتهاده، ومجتمع يقدّر العلم، ودولة مضت بقيادتها منذ مراحل البناء الأولى في نشر التعليم ودعمه ورعاية أبنائها. لم تنشأ هذه العناصر مع الشاشات الذكية والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ وإنما جاءت أدوات العصر لتمنحها قدرات جديدة ومساحات أكبر للأثر.
بهذا المعنى لا تبدأ رؤية المملكة 2030 قصة جديدة للتعليم السعودي، ولا تفصل مدرسة اليوم عن تاريخ طويل سبقها؛ بل تمضي بتجربة وطنية راسخة في بناء الإنسان إلى مستوى يواكب طموح المملكة في مرحلتها الراهنة: معلم أكثر تأهيلًا، ومدرسة أعلى جاهزية، ومناهج أكثر مواكبة، ومسارات أكثر تنوعًا، وتقنية متقدمة، ومعرفة عالمية أصبحت أقرب إلى الطالب.
فالذي تغير بين مدرسة فلس ومدرسة الذكاء الاصطناعي ليس إيمان الدولة بقيمة التعليم، وإنما حجم ما أصبح في متناول المدرسة والمعلم والطالب، وما يصاحبه من مسؤولية أكبر في حسن الانتفاع به.
وعلى هذا الأساس تُقرأ التوجهات التي أعلنها وزير التعليم. فالتدريس وفق التخصص لا يقف عند حسن توزيع الحصص، بل يرتبط بجودة المعرفة التي تصل إلى الطالب، وبقدرة المعلم على تقديمها من عمق تخصصه. كما أن تخفيف الأعباء التشغيلية لا تكتمل قيمته بتقليل مهمة إدارية، وإنما حين يستعيد المعلم من وقته وطاقته ما يحتاج إليه لفهم طلابه، واكتشاف قدراتهم، والإصغاء إلى أسئلتهم، وتحويل المعرفة من محتوى يُقدَّم إلى تجربة تعلم يبقى أثرها.
أما تطوير المناهج، فلا تُقاس دلالته بعدد المواد التي جرى تحديثها، بل بما يحدث في عقل الطالب من خلالها. فهناك فرق بين من يعرف الإجابة ومن يفهم كيف وصل إليها ولماذا يثق بها؛ وبين من يستعيد معلومة عند السؤال ومن يستطيع توظيفها أمام مسألة جديدة. والتعليم الذي يعد الإنسان للمستقبل لا تتحدد قيمته بما يضيفه إلى رصيد الطالب من الإجابات، بل بما يبنيه فيه من قدرة على التعامل مع أسئلة ومشكلات لم تتشكل بعد.
ويأتي الذكاء الاصطناعي في قلب هذا التحول؛ لا بوصفه بديلًا عن العملية التعليمية، بل أداة تغير طبيعة علاقة الطالب بالمعرفة. كان طالب مدرسة فلس يعيش في زمن كانت فيه مصادر المعرفة أقل تنوعًا، وكانت الاستفادة مما هو متاح تحتاج إلى وقت وجهد أكبر، أما طالب اليوم فيستطيع خلال لحظات الوصول إلى مكتبات العالم، ومقارنة الأفكار، وتلخيص النصوص، والحصول على إجابات وصور وتحليلات كان إنجاز بعضها يحتاج إلى وقت طويل.
إلا أن وفرة المعرفة تضع الطالب أمام امتحان مختلف. ففي زمن كانت فيه المصادر أقل، كان حسن الاستفادة مما هو متاح مهارة أساسية؛ أما كثرتها اليوم فتجعل الاختيار والتمييز أكثر أهمية. كان جيل الطباشير مطالبًا بأن يصنع الكثير من القليل، أما جيل الذكاء الاصطناعي فهو مطالب بأن يصنع قيمة من الكثير. والتحدي اليوم ألا تتحول وفرة الأداة إلى اتكال، ولا تصبح سهولة الوصول إلى المعرفة سببًا لاختصار جهد التفكير أو الاستغناء عنه.
وكلما أصبحت الإجابة أسرع، ازدادت قيمة السؤال، وازدادت معها قيمة الفضول الذي يولده. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم للطالب إجابة في ثوانٍ، لكنه لا يمنحه تلقائيًا البصيرة التي يدرك بها أي سؤال يستحق أن يُطرح، ولا القدرة التي يميز بها بين المهم والهامشي، أو بين ما يستطيع فعله وما ينبغي له أن يفعله.
ولهذا لا تُقاس حداثة التعليم السعودي بمجرد حضور الذكاء الاصطناعي في الفصل، بل بالطالب الذي يحسن استخدامه؛ يسأل قبل أن يقبل، ويفحص قبل أن ينقل، ويدرك أن سرعة الوصول إلى الإجابة لا تعفيه من مسؤولية التفكير فيها والتحقق منها. عندئذ تؤدي التقنية وظيفتها الصحيحة: تزيد قدرة العقل، ولا تنوب عنه.
وتزداد، في هذه البيئة، أهمية المعلم. فعندما كانت مصادر المعرفة أقل تنوعًا، كان المعلم من أهم سبل الوصول إليها؛ أما اليوم، وقد أصبحت المعلومة تأتي الطالب من جهات شتى، فإن دوره يزداد عمقًا في مساعدته على فهمها وتمييزها وربطها بسياقها. لم يعد تقديم الجواب وحده كافيًا؛ فالمعلم يعلّم الطالب كذلك كيف يسأل، وأين يبحث، وبأي معيار يختبر مصداقية ما يصل إليه.
وقد يصنع المعلم بسؤال يثير الفضول ما لا تصنعه عشرات الإجابات؛ فالفضول يجعل الطالب يتوقف عند شيء كان سيمر به عابرًا، ثم يسأل ويبحث ويتتبع حتى تصبح المعرفة رغبة في الفهم، لا واجبًا ينتهي بانتهاء الحصة. وربما يبدأ اهتمام علمي كبير من سؤال صغير لم يكن المعلم ينتظر منه إجابة نموذجية بقدر ما أراد أن يحرك عقلًا نحو المعرفة.
لهذا يصبح التطوير المهني للمعلم جزءًا من مشروع بناء الإنسان، لا ملفًا تدريبيًا منفصلًا عنه. فالمعلم في زمن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى معرفة أدوات عصره، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى فهم طلابه؛ أن يدرك الفروق بينهم، ويثير فضولهم، ويبني ثقتهم بقدرتهم، ويصل ما يتعلمونه بواقع حياتهم.
قد ينسى الطالب تعريفًا حفظه عن ظهر قلب في أحد دروسه، لكنه قلما ينسى معلمًا كان أول من جعله يشعر بأنه قادر على التعلم، أو أثار في داخله سؤالًا غيّر طريقته في النظر إلى نفسه، أو صنع موقفًا أدرك من خلاله أن المدرسة لا تعرّفه بما يعرفه العالم فحسب، بل تساعده على اكتشاف ما يستطيع هو أن يضيف إليه.
لهذا تعود مدرسة فلس إلى ذاكرتي كلما تقدمت أدوات التعليم؛ لا بما كان ينقصها، بل بما استطاعت أن تفعله بما كان لديها. كان فيها معلم يؤدي رسالته، وأسرة تضع ثقتها في التعليم، وطالب يبذل جهده، ومجتمع يقدّر المتعلم، ودولة جعلت التعليم أحد أهم وجوه عنايتها بالإنسان السعودي. واليوم تمنح مرحلة الرؤية هذه العناصر بيئة أعلى جودة، وأدوات أكثر تقدمًا، ومسارات أكثر تنوعًا للمعرفة والعمل والابتكار.
من مدرسة فلس خرج أطباء ومهندسون وقضاة ومعلمون وأكاديميون، ومضى غيرهم إلى القوات المسلحة والأمن والإدارة والجامعات ومجالات العمل المختلفة. كانوا يومًا أطفالًا يجلسون أمام سبورة خضراء في قرية بجازان، ثم مضوا بالعلم وبما هيأه الوطن لهم من فرص إلى مواقع لم تكن صورها حاضرة في أذهانهم وهم يخطون حروفهم الأولى. فما بدأ معرفة في فصل صغير أصبح بعد أعوام خبرة في مؤسسة، ومسؤولية في موقع، وعملًا يضيف إلى الوطن. وفي هذا الامتداد يأخذ المشروع الوطني الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان معناه التعليمي العميق؛ فالإنسان السعودي ليس متلقيًا للتنمية، بل شريك فيها بعلمه وكفاءته ومبادرته. ولذلك يصبح الاستثمار في التعليم استثمارًا في قدرة الوطن على الابتكار والإنتاج والتجدد، وفي أجيال لا تكتفي بالانتفاع بما تحقق، بل تضيف إليه.
ولا يكفي، تبعًا لذلك، أن يسأل التعليم عن المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل اليوم؛ فالطفل الذي يدخل المدرسة الآن قد يعمل غدًا في مهنة لم يولد اسمها بعد. والأهم من إعداده لوظيفة قائمة أن نبني فيه قدرة تبقى معه حين تتغير الوظائف والمعارف والأدوات؛ عقلًا يستطيع أن يتعلم من جديد، وشخصية تتعامل مع العالم بثقة ووعي، ومواطنة تجعل طموحه الشخصي متصلًا بطموح وطنه.
كما أن أبناء المدرسة الواحدة لا يسلكون طريقًا واحدًا إلى مستقبلهم، وإن جمعتهم هوية وطنية واحدة. قد تبرز موهبة أحدهم في العلوم والرياضيات، ويجد آخر مجاله في التقنية، ويبدع ثالث في اللغة أو الفنون والعلوم الإنسانية، فيما تميل قدرات غيرهم إلى التعليم المهني والتطبيقي. والتعليم الذي يفهم طلابه جيدًا لا يختزل النجاح في صورة واحدة؛ بل يقرأ مواطن القوة فيهم، ويمنح كل طالب ما يعينه على بلوغ أفضل ما لديه، فتختلف مسارات الإسهام ويبقى الوطن مقصدها.
وقد تعرف المدرسة مقدار ما تعلمه طلابها، لكن أثرها يمتد إلى جوانب لا يستطيع الاختبار وحده أن يقيسها؛ إلى الثقة التي نمت في الطالب، وقدرته على الفهم، واستعداده للتعلم والمبادرة وتحمل المسؤولية. وللمدرسة، في الحقيقة، زمنان: زمن قريب تظهر فيه نتائج التعلم، وزمن أبعد تظهر فيه حقيقة أثرها حين يغادر الطالب الفصل إلى الحياة.
فالاختبار يخبرنا بما أتقنه الطالب في وقت محدد، أما أثر التعليم فقد يحتاج إلى سنوات حتى تكتمل صورته. لم يظهر أطباء مدرسة فلس ومهندسوها وقضاتها وأكاديميوها في نتيجة اختبار واحدة؛ ظهر أثر تعليمهم حين أصبحت المعرفة مهنة، والانضباط مسؤولية، والثقة قدرة، وصار ما بدأ في فصل صغير عملًا يؤديه صاحبه لوطنه.
ولا ينتقص ذلك من قيمة القياس؛ فهو جزء أصيل من جودة التعليم، وبه تُعرف النتائج، وتُراجع البرامج والمناهج، ويقوم التحسين على المعرفة لا الانطباع. إلا أن قيمة المؤشر تكتمل بما يقوله عن الطالب نفسه: عن فهمه، واستقلال تفكيره، وثقته بقدرته على التعلم، واستعداده للمبادرة وصناعة الحل. ومع دخول التقنية يضاف سؤال أكثر دقة: هل جعلت الطالب أقدر على التفكير، أم جعلت بعض ما كان يحتاج إلى جهده العقلي سهلًا إلى الحد الذي قد يستغني معه عن ذلك الجهد؟
يدرك المعلم المتمكن هذا المعنى قبل أن تمنحه نظريات التربية أسماءها، كما أدركه آباء جيلنا بفطرتهم. كان حاضرًا لدى معلمي مدرسة فلس وهم يقفون أمام أطفال لم تكن مصائرهم قد اتضحت بعد، وكان حاضرًا لدى أبي حين أخذني إلى المدرسة بيقين بسيط وعميق: أن العلم يغيّر ما يستطيع الإنسان أن يبلغه في حياته.
لذلك لا أعود إلى مدرسة فلس تمجيدًا للطباشير؛ أعود إليها لأنها تذكرني بأن ما صنع أثرها لم يكن الطباشير ذاته، بل ما اجتمع حوله من معلم وأسرة وطالب ودولة وقيمة راسخة للعلم. ولم تفقد هذه العناصر أهميتها حين جاءت الشاشات والمنصات والذكاء الاصطناعي؛ بل أصبحت الأدوات الجديدة فرصة لأن تؤدي رسالتها بصورة أجود.
أعود إلى الطريق القديم فأراه اليوم بمعنى لم أكن أراه حينها. لم يكن أبي، رحمه الله، يدري ما الذي ينتظر طفله، ولم أكن أعلم أن الطريق إلى مدرسة فلس سيمتد يومًا إلى الجامعة، ثم الابتعاث، ثم العمل الأكاديمي والبحث والكتابة. كان يدرك أمرًا واحدًا: أن عليه أن يوصل ابنه إلى المدرسة. وربما كانت في ذلك أبسط فلسفة تعليم عرفتها في حياتي؛ أن نمنح الطفل فرصة التعلم، ثم تذهب به المعرفة إلى ما لم يكن يستطيع أن يراه في بداية الطريق.
اليوم تغيرت تجربة التعليم؛ تطورت البيئات، وتنوعت المسارات، وأصبحت معرفة العالم أقرب إلى الطالب، ودخل الذكاء الاصطناعي إلى تجربته. ليست الحكاية انتقالًا من الطباشير إلى الشاشة، بل مسيرة وطن انتقل تعليمه من أدوات زمن إلى أدوات زمن آخر، فيما بقي الإنسان غايته الكبرى.
ولهذا تبدو دلالة مؤتمر وزير التعليم أعمق من تفاصيل ما أُعلن فيه. فالمعلم الذي يدرّس في تخصصه، والمنهج الذي يتطور، والمدرسة التي تُقوَّم جاهزيتها، والذكاء الاصطناعي الذي يدخل المحتوى التعليمي ليست مسارات منفصلة؛ بل هي ممكنات تتكامل حول الطالب، وتبلغ قيمتها حين تجعله أقدر على التعلم والتفكير والمبادرة وصناعة أثره.
قبل أكثر من أربعة عقود، كنت في طريقي إلى مدرسة فلس، وكانت الدولة تهيئ لجيلي من أسباب التعليم ما يناسب زمنه. واليوم تضع المملكة بين أيدي أبنائها معرفة أكثر تنوعًا، وتقنية أشد قدرة، ومدارس أكثر جاهزية، ومعلمين تتطور أدواتهم، في امتداد لعناية وطنية جعلت رؤية 2030 تنمية القدرات البشرية في صميم مشروعها.
لذلك لا يحتاج السؤال القديم إلى أن يتغير؛ إنما يحتاج إلى أن يصبح بحجم الممكنات الجديدة.
فما استطاعت مدرسة فلس أن تصنعه بإمكانات زمنها أجابت عنه حياة أبنائها.
أما السؤال الذي يضعه مؤتمر اليوم أمام المدرسة السعودية فهو: ماذا تستطيع، بمعلمها ومناهجها وتقنيتها وكل ما هيأه لها وطنها، أن تصنع في الإنسان السعودي؟ وماذا سيصنع هذا الإنسان بكل ما أصبح بين يديه لوطنه؟
عند هذا السؤال تلتقي مدرسة فلس بمدرسة الذكاء الاصطناعي؛ لا عند الطباشير ولا عند الفصول الذكية، بل عند الحقيقة التي عبرت أجيال التعليم السعودي كلها: أن الممكنات مهما عظمت لا تكون غاية في ذاتها؛ غايتها إنسانٌ يحسن أن يجعل من العلم قدرة، ومن الفرصة مسؤولية، ومن طموحه أثرًا يليق بتطلعات وطنه.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي