د. راشد بن حسين العبدالكريم
في الشهرين الماضيين كتبت عددا من المقالات في بيان استعمالات ومنافع استخدام الذكاء الصناعي في التعليم. فربما ظن بعض التربويين أن هذا، كالعادة، انجراف مع موجة جديدة. وهذا غير صحيح، لأمرين: الأول أن موجة الذكاء الصناعي ليست كسابقتها، بل هي تحول نوعي، من حيث تغلغله في جوانب حياتنا، ومن حيث إمكاناته التوليدية وقدرته على التكيف مع حاجات المستخدمين. فالسبورة الذكية (التي كانت ثورة تقنية تعليمية في وقتها، كانت مجرد أداة للعرض، أما الذكاء الصناعي فيُحلل وينتقد ويحاور ويقترح، ويُنتج. والأمر الثاني، أن هذه ليست دعوة لترك الطرق «التقليدية» في التدريس واستبدال الذكاء الصناعي بها. كلا! بل هي دعوة لحسن توظيف الذكاء الصناعي فيما يجيده، أي الاستخدام الرشيد له. الذكاء الصناعي، فيما يظهر، جاء لحياتنا ليبقى (على الأقل في الظروف الطبيعية)، فليس السؤال: هل نستخدمه في التعليم أم لا؟ فالطلاب وبعض المعلمين (ومكاتب خدمات الطلاب) سيستخدمونه. السؤال: لماذا، ومتى، وكيف نستخدمه؟ وأنا لا أقصد بـ(التقليدية) هنا المدلول السلبي، إنما أقصد به الطريقة المتوارَثة والمعتادة.
منذ أكثر من عشرين سنة كتبت مقالين، أيام موجة دخول التقنية في التعليم، أحدهما بعنوان (التقنية لا تُصلح نظاما تعليميا ضعيفا)، وفيه أشرت إلى أن الاندفاع في تبني التقنية الحديثة في نظام تعليمي ضعيف، لا يصلحه، بل ربما يزيده ضعفا. والمقال الآخر بعنوان (رسالة من سبورة)، وفيه تعاتب السبورة التقليدية افتتان بعض التربويين في تلك الأيام بالسبورة «الذكية»، الذي لم يدم طويلا. والمقالان موجودان في كتابي (مقالات في التربية والتعليم)، نبهت فيهما على خطورة الإيغال السريع في تبني التقنية، اقتصاديا وبيئيا. ونبهت فيهما أيضا على مغبة المبالغة في تحسين الظن المتسرع بالأثر الإيجابي للتقنية على تجويد التعليم، والذي كان خلف ترويجه غالبا شركات التقنية!
منذ سنوات قليلة بدأتْ نتائجُ الأبحاث والتقارير وآراء الخبراء تؤكد ضرورة العودة لكثير من الطرق التقليدية في التعليم، وخاصة فيما يتعلق بالقراءة والكتابة والرياضيات. ووَجد كثير من الأبحاث أثرا واضحا لاستخدام تلك الأساليب التقليدية في جودة تعلم الطلاب ونمو تفكيرهم، وربما صحتهم النفسية وعلاقاتهم الاجتماعية. كما أكدت الدراسات على الأثر السلبي للاعتماد على التقنية في هذه المجالات. وقد تداعى عدد من الأنظمة التعليمية للعودة للطرق التقليدية في التعليم، خاصة في المراحل الأولى، مثل الكتابة بالقلم، وتسجيل الملاحظات والأفكار يدويا بالقلم، والقراءة من الكتب، والتركيز على المعارف الأساسية والمعلومات. إذ إن حفظ هذه المعارف هو الطريق لفهمها، وهو الأساس في تنمية مهارات التفكير. فالتفكير لا يعمل في فراغ. فكلما كثُرت المعارف زادت فاعلية التفكير، وتسارع نموه.
فالدعوة للاستفادة من الذكاء الصناعي لا تعني بحال ترك الطرق التقليدية التي ثبت فعاليتها، أو الانصراف عن تطويرها، ولا تعني، بحال، (ركوب الموجة) كما حصل مع التقنية سابقا. بل المقصود من الدعوة للاستخدام الواعي للذكاء الصناعي أمران: الأول، تفويض الأعمال النمطية الرتيبة له (مع الإشراف المناسب عليه)، بما يساعد في تقليل الحِمل المعرفي على المعلم، بحيث يتفرغ للأعمال التدريسية الأخرى، التي لها علاقة مباشرة بتعلم الطلاب. والثاني الاستفادة منه شريكا ومساعدَ (باحث) ومراجعا ومقوما، للطالب والمعلم، أثناء الدراسة وممارسة الأنشطة التعليمية. ينبغي ألا يُنظر للذكاء الصناعي على أنه (محضّر نصوص) أو (مقدِّم إجابات)، بل على أنه باني تعلم، وشريك تفكير، يساعد المتعلم على النظر من زوايا متعددة، ويساعده على استحضار المعارف اللازمة للتعلم وتيسيرها.
الإجابة عن أسئلة (لماذا، ومتى، وكيف نستخدم الذكاء الصناعي) والتأمل في ذلك وتوعية التربويين والطلاب بذلك هو الذي يقود للاستخدام الرشيد. وهو الذي يضمن، بعون الله، ألا نقع في فخ التقنية في ثوبه الجديد، كما وقعنا في الفخ الأول، منذ أكثر من عشرين سنة.
فنصيحتي لكل تربوي، لا تسأل: هل استخدم الذكاء الصناعي أم لا! بل أشرح للذكاء الصناعي بالتفصيل ما الذي تفعله عادة في الفصل مع طلابك (أو مع المعلمين إن كنت مشرفا تربويا أو مدير مدرسة)، وما الذي يستهلك وقتك، وما الذي يقلقك، ثم اطلب منه أن يقترح عليك أفكارا لأشياء يستطيع مساعدتك فيها، ويستطيع أن يطور عملك بها. خذ أفكاره وتأملها، وناقشه فيها وطوّرها، ستجد أنك وجدت شيئا كنت بحاجة ماسة له.
** **
- جامعة الملك سعود