محمد عادل
اشتهر عديد من المؤسسات والمناهج التعليمية في ولاية كيرالا الهندية بتعليم اللغة العربية، من خلال توظيف إستراتيجيات مبتكرة تعزِّز الطلاب، منذ المراحل الدراسية الأولى، على اكتساب مهارات الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة. ومن أبرز هذه المناهج الشهيرة المتقدمة، منهج «الوافي» للبنين و»الوفية» للبنات، اللذان يُدرِّسان تحت إشراف هيئة إدارية أكاديمية إسلامية تعرف بـ»تنسيق الكليات الإسلامية» CIC، التي تأسست بكيرالا عام 2000م لتطوير ودعم التعليم الديني والعلمي المدمج. يدرّس هذا المنهج باسم دورة الوافي، التي تتكون من مراحل دراسية متدرجة، تشمل المرحلة التأسيسية لمدة ثلاث سنوات، والمرحلة التمهيدية لمدة سنتين، والمرحلة العالية لأربع سنوات، ثم مرحلة التخصص الأخيرة أو الماجستير لسنتين. وفي كلها، توجد برامج متخصصة لتنمية اللغة العربية لدى الطلاب، حيث يدرسون موادّ دراسية متناسبة للمستويات المذكورة. وتعدّ المرحلة التأسيسية خطوة تعريفية في تعلم اللغة العربية، وتضم الطلاب من الصف الثامن إلى الصف العاشر، الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة. وفي هذه المرحلة، يتعلمون مادة المهارات اللغوية الأربع في اللغة العربية من خلال مشاهدة المحتويات العربية والاستماع إليها، مع تلقي الدعم والتوجيه من الأساتذة المتخصصين. ورغم أنهم لم يتعلّموا النحو والصرف في هذه المرحلة، فإنهم ينجذبون إلى اللغة العربية من خلال سماع كلماتها ونطقها، حتى قبل معرفة معانيها وسياقاتها.
إذا، تحاول دورة «الوافي» في مرحلتها التأسيسية بناء فضاء مناسب يخلق في نفوس الطلاب شعوراً بالثقة والقدرة على إتقان اللغة العربية، ويقرّبهم منها ويزيل الحاجز النفسي بينهم وبينها. ثم يأتي دور المرحلة التمهيدية، بأن تلزم عليهم دراسة أدوات اللغة الأساسية، وتحثهم على ممارسات لغوية بشكل تطبيقي، فتعمل على تطوير مهارة الإنشاء، وتمكّنهم من إجراء محادثات يومية، وإلقاء خطب قصيرة، وتقديم نقاشات بسيطة خلال السنتين. وبعد هذه الفترة، ينتقلون إلى المرحلة العالية، والمنهج يقوم بإعداد فرص لتوظيف ما اكتسبوا من ملكة اللغة ومهاراتها. كما تنظم لجنة المنهج امتحانات فصلية لتقييم مستوى إجادتهم اللغوية، وتمتد هذه المرحلة إلى ثلاث أو أربع سنوات دراسية. ولا تقتصر هذه المراحل على تعلّم اللغة العربية فحسب، بل يدرس الطلاب إلى جانبها كتباً في الحديث والتفسير والفقه والعقيدة وغيرها من العلوم الإسلامية، وكلها تسهم في تنمية اللغة وتوسعة معرفتها واستعمالها بشكل أفضل في الدعوة الإسلامية.
وعندما يجتاز الطالب المرحلة العالية، يمكنه الالتحاق بمرحلة الماجستير، التي تتيح له الدراسة في كليات وتخصصات مختلفة، بما فيها كلية اللغة أو قسم اللغة والأدب. ويتميز قسم اللغة بتركيزه على دراسة اللغة العربية بصورة متقدمة، من خلال تعلم أساليبها المختلفة، وتنمية مهارات الترجمة منها وإليها. وتتطلب هذه المرحلة من الطلاب إعداد رسالة في موضوع يتناسب مع مقتضيات القسم ومقرراته، مما يسهم في تنمية مهارة الكتابة الأكاديمية لديهم، ويدفعهم إلى التقدم في مجالات البحث والدراسات باللغة العربية. وكثير من الطلبة في هذه المرحلة يتقدمون في الكتابة، ويرسلون مقالاتهم إلى مختلف المجلات العربية المرموقة. وربما يبدأون هذه التجربة منذ المرحلة العالية، ويستمرون بدعم متواصل من الأساتذة المتخصصين.
ومن الأنشطة والممارسات اللغوية التي يقوم بها الطلاب في دورة «الوافي»، إنشاء النوادي العربية في الكليات، حيث يجتمع الطلاب المهتمون باللغة العربية، ويتحدثون بها، ويناقشون التعبيرات والاستعمالات اللغوية في سياقاتها المختلفة، وينظمون المسابقات فيما بينهم ليتقنوا هذه اللغة قدر الإمكان. كما يتواصل الطلاب مع الناطقين بالعربية من مختلف الدول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغبة في التحدث معهم والاستماع إليهم، والاستفادة من تجاربهم اللغوية، مما يتيح لهم ممارسة اللغة في سياقات حقيقية، فإذا تتجاوز محاولاتهم حدود الدول وتوجد بها علاقات مبنية على أساس اللغة العربية. ورغم أنهم درسوا اللغة العربية الفصحى، فإنهم يحاولون فهم الكلمات العامية واللهجات المختلفة من خلال المحادثات مع الناطقين بالعربية، ليكونوا بذلك أكثر إلماماً بثقافة العرب الواسعة. ولا يمكن حصر هذه الجهود والممارسات اليومية في كلمات قليلة، ولعل الاختصار بها في بعض الكلمات يكون استخفافاً بما يملكونه من الإنجازات العظيمة.
** **
- كالكاو، كيرالا، الهند.