م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1. يبلغ الإنسان السبعين، وفي رأسه طرقٌ لم يمشها، وبحارٌ لم يركبها، وأخطاءٌ لم يرتكبها، وأحلامٌ بقيت مؤدبة أكثر مما ينبغي.
2. أخطر ما يتركه العمر ليس الشيب والوهن، بل الحَب الذي بقي في رأسه لم يُطحن، وبعض الجنون الذي لم يُجرَّب، والمغامرة التي لم تُقْترف وبقيت في رأس صاحبها حتى آخر العمر.
3. فالمغامرات خُلقت لتُقترف، لا لتُحفَظ.. خُلقت لتعود منها بثياب مغبرة، وركبتين مخدوشتين، وقلب يعرف من الدنيا أكثر مما كان يعرفه بالأمس.. أما أن تبقى ناصعةً في الخيال، لم يمسسها خوف، ولم تختبرها الطريق، فتلك ليست نجاة، بل خسارة مؤجلة.
4. إن أكثر الأشياء قسوة ليست الأحلام التي فشلت، بل الأحلام التي بقيت كاملة، لم ينقصها الفشل، لأنها لم تُمنح شرف المحاولة.
5. بعض الناس يصل إلى آخر العمر، وما زالت أحلامه جديدة كأنها خرجت لتوها من علبتها لم يفتحها، ولم يجرّبها، ولم يكسر أطرافها بالاستعمال.. بقيت محفوظة بعناية، كما تُحفظ الأشياء الثمينة التي نخاف عليها حتى يسبقنا إليها الصدأ.
6. المفارقة أن الفضائل التي أنقذت حياته، قد تكون هي نفسها التي سرقت جزءاً منها.. كان عاقلاً حين ينبغي أن يكون متهوراً قليلاً، وحكيماً حين كانت لحظة من الجنون الجميل تستحق المغامرة، ومسؤولاً إلى درجة أنه نسي أن يكون حراً.. لم يرتكب الحماقات التي يندم عليها الناس، لكنه أيضاً لم يرتكب تلك الحماقات الصغيرة التي يصنع منها العمر أجمل ذكرياته.
7. ثم يأتي العمر، لا ليقتل الرغبة، بل ليكشف أنها ما زالت حية.. يكتشف، وهو يطوي عقده السابع، أن في داخله شاباً لم يحصل على فرصته الكاملة.. ما زال يريد أن يركض، وأن يغامر، وأن يخطئ، وأن يندهش، لكن الجسد لم يعد شريكاً مطيعاً، والزمن لم يعد كريماً كما كان.
8. لذلك فإن بعض الشيوخ لا يحزنون لأن الشباب مضى، بل لأنهم لم يستخدموه كما ينبغي.. لا يبكون السنوات التي عاشوها، وإنما السنوات التي حفظوها في الخزانة حتى انتهت صلاحيتها.
9. المسكين ليس هو الإنسان الذي امتلأت حياته بقصص الأخطاء والفشل.. المسكين هو ذلك الذي خرج من الدنيا نظيف السِّجل، لكنه خالي الذاكرة، لم يعبر نهرًا لا يعرف عمقه، ولم يحب حُبًا أرهقه، ولم يبدأ مشروعًا كان يُحْتمل أن يخسر فيه، ولم يقل كلمة كان يخاف أن يقولها.. لقد عاش بحكمة، لكن الحكمة وحدها لا تصنع حياة، فالحياة في جانب منها تحتاج إلى شيء من التهور، إلى تلك اللحظات التي لا تستطيع تبريرها بالحساب، لكنها تبرر العمر كله بالذكرى.
10. لهذا السبب لا تشيخ الأحلام.. الجسد يشيخ، والوجه تكسوه التجاعيد، وتمضي القوة كما يمضي النهار، لكن الأحلام تبقى شابة على نحوٍ مؤلم.. تظل تطرق الباب كل صباح، وكأنها لم تلحظ أن صاحب البيت صار يمشي على مهل، تقول له: ما زال بإمكانك.. ويجيبها وهو ينظر إلى عصاه: ليتني سمعتك يوم كنت أركض.
11. إن الأحلام لا تموت لأنها كبرت، بل لأنها فقدت صاحبها، فهي آخر ما يغادر الإنسان.. وربما لهذا قال أحد الحكماء: إن الإنسان لا يموت مرة واحدة، يموت أولًا حين يتوقف عن الحلم، ثم يموت أخيرًا حين يتوقف قلبه.
12. المأساة كلها يمكن اختصارها في صورة واحدة: أن يشيّع الناس رجلًا إلى قبره، بينما تمشي خلف جنازته مئات الحيوات التي كان يستطيع أن يعيشها، لكنها لم تجد يومًا واحدًا لتولد فيه.