عبدالكريم بن دهام الدهام
لم تكن الكلمات التي جاد بها حساب معالي الأستاذ بدر بن محمد العساكر عبر منصة «إكس» مجرد وصف عابر لطريق جبلي، بل كانت بمثابة معزوفة عشقٍ وطنية تخط بمداد الفخر ملامح بقعة حباها الله بسحر الطبيعة.
حين كتب: «في جازان، وبين محافظتي العارضة وفيفاء، يمتد طريق الهيجة مشكلاً مساراً سياحياً في عمق الطبيعة، في رحلة تكشف جمال المزارع والقرى الريفية»، كان في الحقيقة يفتح لنا نافذة على قلب جازان النابض، ويعيد صياغة مفهوم الدهشة في تفاصيل الجغرافيا السعودية، ليقدم درساً بليغاً في فلسفة السياحة الوطنية التي لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت رحلة في عمق الهوية، واكتشافاً لثروات الوطن الكامنة.
إن هذا المنظور يعكس كيف تحولت تضاريسنا الوعرة ـ بفضل رؤية طموحة وجهود وطنية مخلصة ـ إلى شرايين حياة، ومسارات تبوح بروعة الإنسان والمكان، وتدعو أبناء الوطن قبل غيرهم للاعتزاز بكنوز أرضهم.
حين تتأمل الكلمات، تجد نفسك مدفوعاً لتخيّل ذلك الخيط الأخضر الممتد بين العارضة وفيفاء. العارضة بسحرها المنبسط، وفيفاء الراقصة فوق جبال الصبر والغيوم. بينهما ينساب طريق «الهيجة» ليس كأسفلت صامت، بل كقصيدة وفاء تصل القمم بالقمم.
هذا الطريق يمثل اليوم النموذج المثالي لما تسعى إليه السياحة الوطنية المستدامة. إنه مسار يحبس الأنفاس، حيث تلتف المنعطفات كأساور من ضباب حول معاصم الجبال، وكلما قطعت فيه كيلومتراً، شعرت بأنك تغوص أكثر في عمق لوحة ربانية صاغتها يد الخالق، وحمتها سواعد الأجداد، وتبرزها اليوم عين القيادة لتكون وجهة سياحية رائدة تجمع بين سياحة المغامرات والاسترخاء.
في ثنايا هذا المسار الذي سلط العساكر الضوء عليه، تتجلى حكاية القرية الريفية السعودية في أبهى صورها لتشكل ركيزة أساسية من ركائز السياحة المحلية. هنا، ليست البيوت مجرد أحجار، بل هي حكايات صمود نبتت في جوف الصخر. والمزارع المعلقة على جدار الأفق ليست مجرد مساحات خضراء، بل هي وجهات سياحية زراعية (Agritourism) واعدة.
هناك يصحو المزارع مع الفجر، يروي شجيرات البُن الخولاني، ويزرع الروائح العطرية من كادي وريحان، لتفوح الأرض بعبق الكرم والأصالة. إنها رحلة تكشف للمسافر كيف يمتزج الجمال بالطبيعة البكر، وتؤكد أن سياحتنا الوطنية تمتلك عمقاً ثقافياً وإنسانياً لا يجده السائح في أي مكان آخر حول العالم.
إن هذه التغريدة تحمل في طياتها رسالة أعمق؛ رسالة تنبثق من روح رؤية المملكة 2030، مفادها أن كل شبر من هذا الوطن العظيم هو قصة تستحق أن تروى، وأن جمال المملكة ليس محصوراً في نمط واحد، بل هو تنوع مذهل يمتد من شواطئ البحار إلى قمم الضباب في جازان. إنها دعوة لنفض غبار العادية عن تفاصيلنا اليومية، والتأمل بامتنان في هذه الأرض المعطاءة التي تحولت من خلال الإستراتيجية الوطنية للسياحة إلى متحف طبيعي مفتوح.
طريق «الهيجة» اليوم، بفضل هذا الالتفات العاطفي والوطني، لم يعد مجرد مسار يربط بين محافظتين، بل أصبح رمزاً لنهضة السياحة الداخلية. إنه يذكرنا بأن خلف كل غيمة في جازان، وثنايا كل جبل في العارضة وفيفاء، ينبض قلب وطنٍ عظيم، يملك من السحر والطبيعة ما يجعله فخراً لأبنائه، وقبلةً لزوار العالم الباحثين عن الأصالة والجمال الحقيقي.