عبدالعليم مبارك
لقد تجاوزت الألعاب الالكترونية كونها مجرد وسيلة للتسلية العابرة، لتغدو ركيزة أصيلة ضمن منظومة التربية والتعلم المعاصرة، ومن هنا تقع على عاتق الأسرة، بوصفها الحاضنة الأولى للناشئة، مسؤولية جسيمة تتمثل في صقل مهارات أبنائها المعرفية والتقنية بشكل تدريجي ومدروس، بما يؤهلها لتوجيههم وإرشادهم والإشراف على سلوكهم أثناء خوضهم غمار هذه الألعاب ، ومشاركتهم ما يكتسبون من خبرات ومعارف من خلالها.
كما يتحتم على الأسرة أن تقف سدا منيعا في مواجهة المخاطر المحدقة، عبر إرساء منظومة وعي رصينة تصون الناشئة وتبصرهم بالأضرار الجسيمة المترتبة على الادمان على هذه الألعاب، وترسيخ ثقافة سليمة في التعامل معها، وفي ظل هذا الإقبال المتنامي على الألعاب الالكترونية ، يبقى السؤال المطروح لدينا حول الأثر الذي تخلفه هذه الألعاب في نفوس الأطفال وسلوكهم .
لا يمكن إنكار ما تحمله هذه الألعاب من سحر خاص، إذ تفتح أمام الطفل أبوابا لعوالم موازية يتحررفيها من قيود الواقع، فيغدو بطلا يخوض المغامرات، ويحل الألغاز، ويبني الممالك بأنامله.
وقد أثبتت دراسات عديدة أن بعض هذه الألعاب تسهم في شحذ مهارات التفكير الإستراتيجي، وتنمية القدرة على حل المشكلات، وتحسين سرعة البديهة والتنسيق الحركي البصري.
كما أن الألعاب الجماعية عبر الشبكة قد تفتح نوافذ للتواصل الاجتماعي، وتصقل روح العمل الجماعي لدى فئة قد تجد في العالم الرقمي متنفسا يصعب توفيره في واقعها اليومي.
غير أن الإفراط في ملازمة الشاشات يترك بصماته جلية على الصحة الجسدية للطفل، من اضطرابات النوم وضعف البصر إلى الخمول الحركي الذي ينذر بمخاطر السمنة المبكرة. أما على الصعيد النفسي، فتحذر أصوات كثيرة من التربويين والمختصين من أن الانغماس المفرط قد يفضي إلى عزلة وجدانية، وتراجع في القدرة على التفاعل المباشر مع الآخرين، فضلا عما قد ينشأ من نوبات غضب وتوتر حين يفرض على الطفل الانفكاك عن هذا العالم الذي أدمن الاحتكام إليه.
ولعل الأخطر من ذلك كله هو ما تحمله بعض الألعاب من محتوى عنيف تغلف قسوته بغلاف من الاثارة والتشويق، إذ يخشى كثيرون من أن يتسلل هذا العنف الرمزي إلى منظومة القيم الناشئة لدى الطفل، فيعيد تشكيل إدراكه لمفاهيم الصواب والخطأ، ويطبع في وجدانه ما ينبغي أن يظل مستهجنا.
بين هذين الوجهين، الايجابي والسلبي تبرز حقيقة لا جدال فيها وهي أن الأثر النهائي لهذه الألعاب لا يختزل في طبيعتها وجها، بل يتحدد إلى حد بعيد بمدى الرقابة الأسرية، وحسن اختيار المحتوى المناسب للعمر، وقدرة الأهل على ضبط الجرعة الزمنية دون قمع أو تفريط، فالحل ليس في التحريم المطلق الذي قد يولد نزعة تمرد خفية، ولا في الإباحة المطلقة التي تفتح الباب على مصراعيه لمخاطر جسيمة، وإنما في وعي أسري رشيد يوازن بين حق الطفل في اللعب والترفيه وضرورة صون نموه الجسدي والنفسي والاجتماعي من خلال ترويض هذه الألعاب ومن ثمة التقنيات لتخدم أطفالنا لا أن تستبعدهم.