د. يحيى جابر
تعاملت وسائل الإعلام العالمية مع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها خبراً عسكرياً مهماً، وقدمتها بوصفها تطوراً يمكن أن يؤثر في معادلات الأمن والردع والتحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو ما يظهر بوضوح في اختلاف العناوين والأطر التي استخدمتها وسائل الإعلام الدولية، فقد ركزت رويترز على أن الاتفاقية تنص على أن الاعتداء المسلح على دولة موقعة يُعد اعتداءً على الدول الثلاث، مع الإشارة إلى أن البيان المنشور لا يقدم تفاصيل محددة بشأن الالتزامات الدفاعية أو كيفية تنفيذها، بينما تناولت قناة العربية وسكاي نيوز الاتفاقية كونها تحول إقليمي كبير ومهم يغير وجه الشرق الأوسط، كذلك تناولت قناة الجزيرة المثيرة دائماً للجدل الاتفاقية باعتبارها تطوراً قد يؤثر في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وذهبت بعض وسائل الإعلام إلى استخدام تعبيرات أكثر إثارة مثل «ناتو إسلامي» أو «ناتو سني»، وهي تعبيرات صحفية تحليلية وليست اسماً رسمياً للاتفاقية، وأرى أن اختلاف العناوين يكشف أن المعركة الإعلامية حول الاتفاقية بدأت فور الإعلان عنها، وأن السؤال لم يعد فقط ماذا وقعت الدول الثلاث، وإنما كيف سيعرّف الإعلام العالمي هذا الحدث للجمهور؟
تكشف التغطية العالمية عن ثلاثة أطر رئيسية، الأول إطار الردع، والثاني إطار إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي، والثالث إطار التحالف المحتمل في مواجهة تهديدات إقليمية، وقد ظهرت هذه الأطر في مؤسسات إعلامية مختلفة، بينما أكدت الأطراف الموقعة أن الاتفاقية دفاعية ولا تستهدف دولة بعينها، ويتضح أن الفارق بين الرسالة الرسمية والتفسير الإعلامي مهم جداً، لأن الحكومة تقول «دفاع مشترك»، بينما قد يحول العنوان الصحفي المصطلح إلى «تحالف جديد» أو «كتلة عسكرية جديدة»، ومن هنا يبدأ التأثير النفسي والسياسي للخبر، أما رد الفعل الإيراني فكان لافتاً من الناحية الإعلامية والنفسية، إذ قالت طهران إنها لا ترى سبباً للقلق من أن تكون الاتفاقية موجهة ضدها، وهو في حد ذاته رد يمكن قراءته إعلامياً باعتباره محاولة لخفض مستوى التهديد النفسي الذي قد ينتج عن الاتفاقية، وأرى أن مجرد اضطرار دولة إقليمية إلى توضيح موقفها من اتفاق دفاعي جديد يكشف أن الحدث دخل بالفعل إلى حسابات الإدراك الاستراتيجي لدى الأطراف المحيطة، ومن الناحية النفسية، فإن الاتفاقية تنتج تأثيراً مختلفاً لدى المجتمعات، فبالنسبة للمجتمع السعودي تعزز صورة القدرة على حماية الأمن الوطني وبناء الشراكات، وبالنسبة للجمهور التركي قد تعزز صورة الدور التركي خارج حدود المجال الجغرافي التقليدي، فيما الجمهور الباكستاني قد تعزز صورة باكستان بوصفها شريكاً أمنياً مؤثراً، أما لدى بعض الأطراف الإقليمية فقد تولد شعوراً بضرورة إعادة تقييم حساباتها، وأعتقد أن هذا هو جوهر الاتصال الردعي؛ فالقوة لا تؤثر فقط عندما تُستخدم، وإنما قد تؤثر نفسياً قبل استخدامها من خلال الاعتقاد بأنها موجودة وقابلة للاستخدام عند الضرورة، والردع في جوهره يعتمد على الإدراك النفسي للقدرة والنية والمصداقية، فإذا اعتقد الطرف الآخر أن تكلفة الاعتداء أصبحت أعلى، فإن احتمال الإقدام عليه قد يتراجع، لكن العكس صحيح أيضاً، فإذا اعتُبرت الاتفاقية مجرد إعلان سياسي دون قدرة عملية أو آليات تنفيذ واضحة، فقد يحاول بعض الخصوم التقليل من أثرها، مثل إسرائيل، وأرى أن التأثير النفسي للاتفاقية سيكون مرتبطاً بدرجة المصداقية التي ستبنيها الدول الثلاث خلال المرحلة المقبلة، وليس بمجرد الصورة التي ظهرت يوم التوقيع، لذلك حرصت السعودية أن يكون التوقيع يوم جمعة وفي بيت الله الحرام «مكة»، ولتزداد أهمية الصورة الإعلمية لأن الصورة الجماعية للقادة الثلاثة أثناء توقيع الاتفاقية في مكة المكرمة تختصر رسالة سياسية معقدة في مشهد واحد، وتسمح للإعلام بإعادة إنتاجها عشرات الآلاف من المرات، ولذلك فإن الصورة أصبحت جزءاً من التأثير النفسي، ويتضح أن الجمهور يتذكر المشهد قبل أن يتذكر التفاصيل القانونية، والصورة الجماعية للقادة الثلاثة تعمل بوصفها رمزاً بصرياً للتضامن والقوة والتنسيق. «المصدر ـ رويترز، المملكة المتحدة، صور توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، 7 أغسطس 2026».
وفي الإعلام الأمريكي، كانت وكالة رويترز من أبرز المصادر التي تناولت الاتفاق، وركزت في تقريرها المنشور في 12 أغسطس 2026 على أن السعودية تتجه إلى بناء تحالفات دفاعية متعددة لردع التهديدات، مع استمرارها في تجنب الانخراط المباشر في حرب أوسع، وضلت التعليقات الأمريكية تحليلية خبرية لنشأة تحالف جديد، أما الإعلام الإسرائيلي، فقد ظهرت فيه معالجة أكثر ارتباطاً بتوازن القوى والأمن الإسرائيلي. فقد نشرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في 7 أغسطس تقريراً لوكالة رويترز بعنوان «السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاق دفاع مشترك في ظل حرب إيران»، وأبرزت أن الدول الثلاث أعلنت أن الاتفاق لا يستهدف دولة محددة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الدول الموقعة لديها حسابات وقلق مشترك تجاه التطورات الإقليمية، «المصدر ـ صحيفة تايمز أوف إسرائيل، إسرائيل، السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاق دفاع مشترك في ظل حرب إيران، نقلاً عن رويترز، 7 أغسطس 2026». وفي 12 أغسطس نشرت الصحيفة نفسها تحليلاً للكاتب لازار بيرمان بعنوان «اتفاق مكة الدفاعي ليس موجهاً لتحدي إسرائيل، على الأقل ليس في ساحة المعركة»، وخلص التحليل إلى أن الاتفاق لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث ستدخل حرباً من أجل بعضها، وإنما يحمل رسالة ردع واستقلال استراتيجي، «المصدرـ صحيفة تايمز أوف إسرائيل، إسرائيل، اتفاق مكة الدفاعي ليس موجهاً لتحدي إسرائيل، 12 أغسطس 2026»، واعتقد أن هذه نقطة مهمة جداً في القراءة الإعلامية؛ إذ لا يمكننا تجاهل القلق الإسرائيلي من تغير البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، ولاسيما أن النص المعلن للاتفاق لا ينص على شيء يمس إيران أو إسرائيل.
وفي الإعلام الصيني، برزت صحيفة غلوبال تايمز بوصفها من أكثر المنابر وضوحاً في تفسير الرسالة الاستراتيجية للاتفاق؛ فقد نشرت في 9 أغسطس مقالاً بعنوان «ما الرسالة التي أرسلها اتفاق مكة الدفاعي إلى واشنطن؟»، وركزت فيه من منظور الصحيفة الصينية على أن الاتفاق يبعث بإشارة إلى الولايات المتحدة بشأن رغبة دول المنطقة في تعزيز قدرتها على ترتيب أمنها بنفسها، «المصدر- صحيفة غلوبال تايمز، الصين، ما الرسالة التي أرسلها اتفاق مكة الدفاعي إلى واشنطن؟، 9 أغسطس 2026»، وأرى أن الإطار الصيني هنا مختلف عن الإطار الأمريكي والإسرائيلي؛ فبدلاً من التركيز الأساسي على سؤال «هل يهدد الاتفاق إسرائيل وإيران؟»، ركزت المعالجة الصينية على فكرة الاستقلال الاستراتيجي وتعدد مراكز القوة، أي أن دول المنطقة باتت أكثر ميلاً إلى تنويع علاقاتها الدفاعية وعدم الاعتماد المطلق على قوة خارجية واحدة من وجهة نظر صينية.
أما الإعلام الروسي، فقد كانت تغطيته أكثر صراحة في استخدام تعبيرات مثل «ناتو إسلامي»، لكن مع التحفظ على اعتبار الاتفاق تحالفاً عسكرياً مكتملاً، فقد نشرت وكالة ريا نوفوستي في 7 أغسطس تقريراً بعنوان «خبير يقيّم الاتفاق المبرم بين تركيا والسعودية وباكستان»، وذكر التقرير أن الاتفاق يعكس تغيراً في ميزان القوى في الشرق الأوسط، «المصدر ـ وكالة ريا نوفوستي، روسيا، خبير يقيّم الاتفاق المبرم بين تركيا والسعودية وباكستان، 7 أغسطس 2026»، كما نشرت وكالة تاس في اليوم نفسه تقريراً عن توقيع الاتفاق، مؤكدة أن الوثيقة تستهدف ردع أي عدوان، «المصدر ـ وكالة تاس، روسيا، السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاقاً للدفاع المشترك، 7 أغسطس 2026»، أما قناة أر تي، روسيا اليوم، فقد استخدمت في تقرير تحليلي عنوان «هل أطلقت باكستان وتركيا والسعودية ناتو إسلامياً؟»، لكنها في متن التقرير شددت على أن وصف الاتفاق بأنه «ناتو إسلامي» سابق لأوانه، وأن آلية الاستجابة العسكرية المشتركة ليست واضحة حتى الآن، وفي الإعلام الهندي، ظهرت زاوية مختلفة تماماً، إذ أعلنت الهند أنها تدرس تأثير الاتفاقية في أمنها الوطني والاستقرار الإقليمي، وهذا مهم إعلامياً لأن الاتفاقية لم تعد قصة خليجية أو شرق أوسطية فقط، وإنما بدأت تدخل في الحسابات الإعلامية والأمنية لجنوب آسيا أيضاً، «المصدرـ إيكونوميك تايمز، الهند، الهند تدرس تأثير اتفاقية مكة للدفاع المشترك في الأمن القومي والاستقرار الإقليمي، 12 أغسطس 2026»، وهنا يظهر ما يمكن تسميته التأثير النفسي غير المباشر للإعلام، فالخبر لا يغير سلوك الجمهور بالضرورة بصورة مباشرة، لكنه يغير إدراكه للبيئة المحيطة، فإذا تكرر الحديث عن اتفاقية دفاعية تضم ثلاث دول ذات قدرات عسكرية وسياسية مهمة، فقد يتشكل لدى الجمهور شعور بأن البيئة الأمنية تتغير، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الثقة لدى جمهور، أو القلق لدى جمهور آخر، أو الحذر لدى صانع قرار، وأرى أن الإعلام في هذه الحالة لا ينقل القوة فقط، وإنما يعيد توزيع الإحساس بالقوة بين الأطراف من خلال طريقة عرضها، ومن أخطر التأثيرات النفسية تأثير التكرار بالعناوين والصور والتعليقات المهمة للحدث نفسه، فعندما يسمع الجمهور عبارات مثل «دفاع مشترك»، «هجوم على دولة يعني هجوماً على الجميع»، «تحالف جديد»، أو «إعادة تشكيل الأمن الإقليمي» عشرات المرات، فإن هذه المفاهيم تتحول منخبار إلى صور ذهنية مستقرة، ويتضح أن التكرار الإعلامي يمكن أن يجعل المصطلح الاستراتيجي أكثر تأثيراً من الوثيقة نفسها، خصوصاً لدى الجمهور الذي لا يقرأ النص الأصلي للاتفاقية، لكن هناك جانباً آخر، وهو التأثير النفسي على الخصوم أو المنافسين المحتملين، إذ يمكن للتغطية العالمية أن تجعل صانع القرار في دولة أخرى يعيد حساباته، ليس لأن الإعلام يمتلك قوة عسكرية، وإنما لأنه ينقل مؤشرات عن تغير البيئة الاستراتيجية، وقد وصفت بعض التحليلات الاتفاقية بأنها قد تعيد تشكيل الحسابات الأمنية في المنطقة، ومن منظور نظرية وضع الأجندة، فإن الإعلام العالمي لا يخبر الجمهور فقط بما حدث، بل يحدد أيضاً الموضوعات التي ينبغي أن يفكر فيها، ولذلك فإن تركيز وسائل الإعلام على «الردع»، أو «إيران»، أو «الولايات المتحدة»، أو «الناتو»، أو «ميزان القوى» يجعل هذه القضايا هي المفاتيح التي يستخدمها الجمهور لفهم الاتفاقية، وأعتقد أن اختلاف هذه الأجندات يفسر لماذا يمكن أن يكون للحدث الواحد عشرات المعاني النفسية والسياسية المختلفة، فيما يتصدر الحدث الاهتمام والأولوية للخبر، بصفته الحدث الأهم.
أما من منظور نظرية التأطير، فإن اختيار العناوين، «اتفاق دفاعي» ينتج أثراً نفسياً مختلفاً عن عبارة «تحالف عسكري»، واختيار عبارة «تعزيز الردع» يختلف عن عبارة «تشكيل كتلة جديدة»، ولذلك فإن اللغة الصحفية نفسها تصبح أداة تأثير من خلال النص، وأرى أن التغطية الإعلامية الأكثر مهنية هي التي تميز بوضوح بين ما ورد في الوثيقة الرسمية وما هو تحليل أو استنتاج مناسب، ومن اللافت أيضاً أن بعض وسائل الإعلام الدولية استخدمت تشبيهات بحلف شمال الأطلسي، بينما نقلت رويترز عن وزير الخارجية التركي أن الاتفاقية من الناحية الفنية تتشابه مع المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، أي أن الاعتداء على أحد الأطراف يُفهم بوصفه اعتداءً على الجميع، لكن هذا لا يعني أن الاتفاقية هي حلف شمال الأطلسي جديداً، ولا ينبغي إعلامياً مساواة المؤسستين، لأن لكل منهما بنيته القانونية والمؤسسية والتاريخية المختلفة، وهنا تحديداً تظهر أهمية التصحيح الإعلامي للمصطلحات، لأن عبارة «الناتو الإسلامي» تبدو جذابة للعناوين لكنها مختلفة، وقد تختصر اتفاقية معقدة في توصيف غير رسمي، وقد تؤدي إلى تضخيم توقعات الجمهور بشأن شكل القيادة العسكرية والالتزامات العملياتية، وأعتقد أن الإعلام المهني يجب أن يقاوم إغراء العنوان المثير عندما يكون المصطلح غير رسمي أو غير وارد في الوثيقة.
أما التأثير النفسي على الجمهور الداخلي فيمكن أن يكون إيجابياً إذا ارتبط الاتفاقية بمفهوم الأمن والاستقرار والردع، لكن الإفراط في لغة التهديد قد يؤدي إلى تأثير معاكس، فقد يشعر جزء من الجمهور بأن المنطقة تتجه إلى تصعيد جديد، ولذلك فإن الاتصال الرسمي يحتاج إلى التوازن بين إظهار القدرة وطمأنة الجمهور، وأرى أن المعادلة الإعلامية الناجحة هنا هي، قوة بلا تهويل، وردع بلا استفزاز، وطمأنة بلا تقليل من المخاطر، ومن الناحية النفسية أيضاً، يمكن للاتفاقية أن تعزز الشعور بالانتماء والثقة والقدرة الجماعية لدى الجماهير التي ترى في التعاون بين الدول الثلاث نموذجاً للتضامن، خصوصاً أن توقيعها في مكة المكرمة يحمل بعداً رمزياً قوياً، ويتضح أن المكان والهوية والرمز السياسي تتداخل في إنتاج التأثير النفسي للحدث، ولذلك فإن الصورة الإعلامية لا يمكن فصلها تماماً عن المكان الذي صنعت فيه.
وفي المقابل، قد ينتج عن الاتفاقية لدى جماهير أخرى شعور بالقلق أو عدم اليقين، خصوصاً إذا ربطت وسائل الإعلام الاتفاقية بتوترات المنطقة، ولهذا فإن الإعلام مسؤول عن عدم تحويل الردع إلى حالة هلع جماعي، وفي تقديري فإن الفرق بين الإعلام المسؤول والإعلام المثير هو أن الأول يشرح الاحتمالات، بينما الثاني يحول الاحتمالات إلى سيناريوهات مؤكدة في أذهان الجمهور، والمهم أن ردود الفعل العالمية حتى الآن ليست موحدة؛ فهناك من يرى الاتفاقية تحولاً استراتيجياً، وهناك من يراها تعزيزاً للتعاون القائم، وهناك من يتساءل عن تفاصيل تنفيذها، بينما أكدت إيران أنها لا ترى سبباً للقلق منها، وتركيا تحدثت عن إمكانية توسيع إطار التعاون ليشمل دولاً أخرى، وهذا التنوع في ردود الفعل يؤكد أن التأثير النفسي للاتفاقية لم يستقر بعد، وإنما ما زال في مرحلة التشكل والتفسير والتقييم، ومن هنا يمكن القول إن الأثر الإعلامي العالمي للاتفاقية أقوى من حجم التفاصيل المنشورة عنها حتى الآن، لأن الإعلام يعمل أحياناً على المستقبل وليس الحاضر فقط، فحين يرى المحلل اتفاقية دفاعية تجمع السعودية وتركيا وباكستان فإنه لا يكتفي بالسؤال عما تتضمنه اليوم، بل يسأل، هل ستتوسع؟، وهل ستتطور إلى تدريبات مشتركة؟، وهل ستتبعها اتفاقيات صناعات دفاعية؟، وهل ستؤثر في علاقات الدول الثلاث مع الولايات المتحدة؟، وهل ستغير حسابات دول أخرى؟، ثم هل سيلتزم الموقعون عليها بالاتفاقية في المحك الصعب لو حدث؟، وأرى أن هذه الأسئلة المستقبلية هي التي تمنح الاتفاقية جزءاً كبيراً من وزنها الإعلامي، فهي زلزال حقيقي حدث في وقت مهم، ويمكننا رصد أن ما تم تداوله عالمياً من الناحية الإعلامية هو نبأ جديد فريد من نوعه يبشر بخلق استقرار كبير في الشرق الأوسط.
أخيراً: فإن اتفاقية مكة للدفاع المشترك أحدثت أثراً إعلامياً عالمياً لأنها جمعت ثلاث دول ذات ثقل جيوسياسي في إطار دفاعي مشترك، في توقيت إقليمي شديد الحساسية، وبصيغة تحمل رسالة ردع واضحة، وقد انتقل أثرها سريعاً من صفحات الأخبار إلى حسابات الدول ووسائل الإعلام ومراكز الدراسات والرأي العام، وأعتقد أن التأثير النفسي الأكبر للاتفاقية هو إعادة تشكيل «إدراك القوة»؛ فمن يراقب الاتفاقية سيعيد تقييم قوة الشراكة، ومن يقرأها سيعيد تقييم احتمالات الردع، ومن يتابعها إعلامياً سيعيد بناء صورته عن مستقبل الأمن الإقليمي، كما أن قوة الإعلام تُدار أيضاً بالمعلومة والصورة والرسالة والإدراك النفسي، وأن الدولة التي تستطيع أن تجعل رسالتها واضحة، ومصدرها موثوقاً، وصورتها متماسكة، وتسيطر على الشائعات في بلدها، تستطيع أن تضاعف الأثر السياسي والنفسي لقوتها من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام