د. غالب محمد طه
أحيانًا لا يكشف الخطأ نفسه عن المشكلة، بل يكشفها السؤال الذي يتركه وراءه.
تقرأ مقالًا صحفيًا، تصل إلى نهايته، ثم تصادف جملة لا تعرف ماذا تفعل هناك، ليست خبرًا ولا رأيًا ولا جزءًا من السياق، بل تبدو كأنها حديث جرى في مكان آخر، ثم نسي أحدهم أن يحذفه قبل أن يصل النص إليك. قد تمر عليها سريعًا، وقد تبتسم، لكن إذا توقفت عندها قليلًا ستجد أن وراءها سؤالًا مزعجًا: من الذي يراجع النص عندما تصبح عملية إنتاجه موزعة بين الإنسان والآلة؟
هذا السؤال، في ظني، أهم من السؤال الشائع: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي مكان الصحفي؟ لأن المسألة لم تعد تتعلق بمن سيكتب الخبر فقط، بل بمن سيتحمَّل مسؤولية معناه. لهذا توقفت عند دراسة أعدتها د. هنيدة قنديل أبو بكر وزملاؤها، بعنوان «الذكاء الاصطناعي في تحليل الأخبار: الآثار الاجتماعية والأخلاقية على الممارسة الإعلامية». نُشرت الدراسة في 6 أغسطس 2026، وتبحث في استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأخبار من خلال أربعة سياقات مختارة في المنطقة: الإمارات، السعودية، الأردن، والسودان. لكن ما شدني فيها ليس الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، بل السؤال الذي تضعه الدراسة في مكان أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما تدخل الآلة إلى المساحة التي لا يكتفي فيها الصحفي بجمع المعلومات، بل يحاول أن يفهمها ويفسرها؟
هذه منطقة مختلفة تمامًا. فالخبر قد يكون أمامك في ثوانٍ: تصريح، رقم، صورة، بيان، لكن امتلاك كل هذه الأشياء لا يعني أنك فهمت الحدث. أحيانًا تكون المشكلة في كثرة ما نعرفه، لا في قلته. اليوم، في غرف الأخبار، المعلومات تأتي من كل اتجاه، خبر لم يكتمل بعد ينافس آخر على الصدارة، والرواية الأولى قد تتغير قبل أن ينتهي الصحفي من قراءة تفاصيلها. في هذا الزحام، تبدو الآلة مغرية، تقرأ النصوص، تصنف الموضوعات، ترصد الاتجاهات، وتحلل كميات كبيرة من البيانات، وهذه ليست إمكانات قليلة. تشير دراسة قنديل وزملائها إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم تفسير النصوص ورصد المعلومات المضللة وتحليل البيانات، لكن الدراسة تضع في الوقت نفسه حدًا واضحًا لهذه الفائدة: هناك جانب من التحليل الإخباري لا يمكن اختزاله في المعالجة الآلية، لأنه يحتاج إلى فهم السياق والثقافة والحكم المهني.
وهنا تبدأ المشكلة: نخلط بين سرعة المعالجة والقدرة على التفسير. يمكنك أن تغرق الصحفي بالوثائق والأرقام، لكنها ستظل مبعثرة ما لم يملك الخيط الذي يربط بينها: لماذا قيل هذا الكلام الآن، وماذا سبقه، ومن المستفيد، وما الذي لا تقوله الوثيقة؟ هنا لا تكفي السرعة، بل نحتاج إلى حكم مهني، وهو مسؤولية.
واعتمدت الدراسة منهجًا نوعيًا قائمًا على مقابلات معمقة مع 31 خبيرًا، بينهم عشرون ممارسًا في غرف الأخبار من الدول الأربع، إلى جانب أكاديميين ومسؤولين إعلاميين كبار، وجميع المشاركين يمتلكون خبرة عملية لا تقل عن خمس سنوات في مجالات ذات صلة بالتحليل الإخباري أو اتخاذ القرار التحريري أو إدارة المؤسسات الإعلامية. واللافت أن المشاركين لم ينظروا إلى العلاقة بين الصحفي والآلة بوصفها صراعًا، بل ظهر الذكاء الاصطناعي في شهاداتهم بوصفه أداة داعمة، مع بقاء الحكم التحريري البشري حاضرًا. وفي الوقت نفسه، ظهرت فروق في النظرة إلى الاستخدام؛ إذ كان الأكاديميون أكثر تشديدًا على الحوكمة، بينما أبدى بعض العاملين في المنصات الرقمية انفتاحًا أكبر، في حين كان المشاركون من المؤسسات التقليدية أكثر تحفظًا، ربطًا بمخاوف المساءلة وثقة الجمهور، وهي بطبيعة الحال نتيجة داخل العينة وليست حكمًا قاطعًا على كل المؤسسات.
وتلفت الدراسة إلى تمييز آخر يستحق التوقف عنده: ليست كل استخدامات الذكاء الاصطناعي متساوية في المخاطر، فمعالجة البيانات وتصنيف النصوص أقرب إلى الوظائف المساعدة، لكن الحساسية تزداد عندما تدخل الآلة في مهام مثل التلخيص الآلي، أو التأطير، أو ترتيب الأولويات التحريرية، التي تقترب من منطقة التفسير والحكم. وهنا تصبح الحاجة إلى المراجعة البشرية أكبر، وتبقى المسؤولية عن المخرج النهائي مسؤولية بشرية ومؤسسية.
دعني أعود إلى تلك الجملة التي استوقفتني في البداية؛ ليست مهمة في حد ذاتها، لكن السؤال الذي تتركه وراءها هو المهم: كيف مرّت دون أن يلتقطها أحد؟ قد يبدو الأمر مجرد سهو تحريري صغير، لكنه يفتح سؤالًا أكبر: ماذا لو كان الخطأ أقل وضوحًا، ماذا لو جاء في معلومة تبدو صحيحة، أو تحليل يبدو منطقيًا، أو فقرة مكتوبة بلغة شديدة الإقناع؟ هنا تظهر قيمة الصحفي الخبير، ليس لأنه أسرع من الآلة، بل لأنه يستطيع أن يتوقف أمام ما يبدو صحيحًا ويسأل: هل هذا مكانه، وهل هذا معناه؟
الخطأ الفاضح سهل اكتشافه، أما الخطأ الذي يأتي في جملة سليمة وبنية منطقية فمشكلته أكبر؛ لأنه قد يمر دون أن يثير شكًا كافيًا. والصحفي الجيد لا يقرأ ما أمامه فقط، بل ما وراءه أيضًا، يعرف أن رقمًا صحيحًا قد يوضع في سياق مضلل، وأن تفسير الحدث يحتاج أحيانًا إلى معرفة تتجاوز النص نفسه. وهذا تحديدًا ما تعيده دراسة قنديل وزملائها إلى الواجهة: تحليل الأخبار ليس مهمة تقنية محضة، بل ممارسة تفسيرية تتداخل فيها الدقة والسياق والثقافة. والثقافة تزيد المسألة تعقيدًا، فالكلمة قد تكون عادية في سياق وحساسة في آخر. ولهذا، لا يكفي نقل نماذج جاهزة من الخارج، بل شدد المشاركون على الحاجة إلى أطر قانونية وأخلاقية تلائم السياقات المحلية، وأدوات تراعي اللغة العربية، وآليات مراجعة مستقلة قبل النشر.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي: من يتحمَّل المسؤولية عندما ينتج الذكاء الاصطناعي تحليلًا منحازًا؟ لا يمكن تحميل الخوارزمية وحدها المسؤولية، فالقرار يبدأ من البشر والمؤسسات التي تختار الأداة، وتحدد طريقة استخدامها، وتسمح لمخرجاتها بالوصول إلى الجمهور. ثم تأتي مشكلة التحيز: فالخوارزمية تتعلم من بيانات تحمل آثار اختيارات البشر، ولذلك فإن استخدام أداة ذكية لا يعني تلقائيًا الحصول على نتيجة محايدة. قد نحصل على تحيز أكثر أناقة، وهذه ربما إحدى أخطر مفارقات الذكاء الاصطناعي: كلما أصبحت الإجابة أكثر ترتيبًا وإقناعًا، احتجنا إلى صحفي أكثر قدرة على الشك فيها.
من هنا يصبح «الإنسان داخل الحلقة» أكثر من مجرد مصطلح تقني؛ إنه آلية لإبقاء الحكم البشري حاضرًا في التقييم والمسؤولية. وفي النموذج الذي تقترحه الدراسة، لا يقف الأمر عند المراجعة البشرية وحدها، بل يتوزع بين مستوى تقني لتنظيم البيانات، ومستوى تحريري للتفسير، ومستوى مؤسسي لوضع سياسات الشفافية والمساءلة.
وهنا أخشى أن تكون المنافسة على السرعة هي الاختبار الأصعب؛ فالمنصة التي تريد النشر أولًا ستجد في الذكاء الاصطناعي حليفًا ممتازًا، لكن الصحافة ليست سباقًا دائمًا إلى زر النشر، فأحيانًا يكون أفضل قرار هو أن تتأخر: تنتظر تصريحًا آخر، تتصل بمصدر إضافي، تعيد قراءة رقم، أو تقول للقارئ: لا نعرف بعد. هذه الجملة القصيرة قد تكون أكثر مهنية من عشرات العناوين العاجلة.
وهنا يصل السؤال إلى غرفة أخرى: كيف نُعد الصحفيين الجدد؟ طالب الإعلام الذي يدخل غرفة الأخبار لن يواجه عالمًا يخلو من الآلة، سيجدها في البحث والتفريغ والتحليل. لذلك لا أعتقد أن السؤال هو: هل نعلّم الطلاب الذكاء الاصطناعي؟ السؤال الأصح: هل نعلّمهم كيف يعملون معه دون أن يفقدوا حسهم الصحفي؟ تشير الدراسة إلى أهمية التدريب المستمر، وتطوير مهارات التحقق الرقمي، والكشف عن التزييف العميق، وبناء مسارات جامعية متخصصة تدمج بين الإعلام والتكنولوجيا.
وربما ما يجعل هذه الدراسة جديرة بالتوقف عندها، ليس موضوعها وحده، بل أنها تأتي من داخل البيئة الإعلامية العربية نفسها، وتحاول أن تقرأ التحول التقني من واقع مؤسساتنا وتجارب ممارسينا، لا من خلال نماذج مستوردة فحسب. نحن بحاجة إلى مزيد من هذه الدراسات التي تضع الذكاء الاصطناعي أمام أسئلة المهنة والمجتمع والثقافة، وتمنح صانع القرار والمؤسسة الإعلامية والصحفي أساسًا معرفيًا يساعدهم على التعامل مع التحول بدل الاكتفاء بملاحقته. ولهذا فإن قيمة دراسة قنديل وزملائها تتجاوز نتائجها المباشرة؛ فهي تذكّرنا بأن الإعلام العربي لا ينبغي أن يكون مجرد مستهلك للمعرفة التي تنتجها التحولات التقنية، بل شريكًا في إنتاج المعرفة حولها.
نحن لا نحتاج إلى صحفي يحاول أن يكون أسرع من الآلة، ولا إلى صحفي يسلمها زمام العمل، بقدر ما نحتاج إلى من يعرف قيمتها وحدودها: يستفيد من قدرتها على معالجة كميات كبيرة من المعلومات، لكنه يعود بنفسه إلى المصدر الذي سيُبني عليه حكمه، يستخدمها لاكتشاف نمط ثم يسأل عن سببه، يطلب منها تلخيص وثيقة لكنه لا يكتفي بالملخص حين تصبح الوثيقة أساسًا لما سيصل إلى القارئ.
في النهاية، ليست قيمة الصحافة في أنها تنتج أكثر أو تصل أولًا؛ قيمتها في أن يظل القارئ قادرًا على الوثوق بها. وحين تصبح الآلة قادرة على قراءة الخبر وتحليله وتلخيصه، يبقى السؤال الأعمق: من سيبقى مسؤولًا عن فهم معناه؟ الآلة تستطيع أن تقرأ أكثر منا، وتعمل أسرع منا، وربما تكتب نصًا أكثر ترتيبًا، لكنها لا ينبغي أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في معنى ما يصل إلى الناس. الصحافة ليست إنتاج نصوص؛ إنها مسؤولية عن الحقيقة، وعن السياق، وعن الأشياء التي نقرر أن نشك فيها قبل أن نطلب من الآخرين تصديقها. ربما لا يكون المستقبل بحاجة إلى صحفي أقل أهمية بسبب الذكاء الاصطناعي، بل إلى صحفي أكثر خبرة، وأكثر شكًا، وأكثر قدرة على الفهم. الآلة قد تساعدنا على قراءة الخبر، أما معناه، ومسؤولية ما نقوله عنه، فتبقى قضيتنا نحن.