د. عبدالله علي بانخر
تشهد صناعة السينما في العالم تحولات هيكلية عميقة تتمثل في تصاعد تركّز القوة الاقتصادية بين عدد محدود من الكيانات العملاقة العابرة للحدود. ولم يعد هذا التركّز مقتصراً على السيطرة على حلقة واحدة من حلقات الصناعة، بل امتد ليشمل السيطرة الكاملة على سلسلة الإنتاج والتوزيع والعرض في آن واحد، عبر ما يعرف بالتكامل الرأسي، إلى جانب توسع أفقي يقوم على عمليات الاستحواذ والاندماج بين الشركات العاملة في المستوى الإنتاجي ذاته. وقد أفضى تزاوج هذين النمطين إلى نشوء منظومة هجينة معقدة تمنح كياناً واحداً القدرة على التحكم في تمويل الأفكار، وإنتاج الأفلام، وتوزيعها، وعرضها على الشاشات، بما يضيق مساحة المنافسة الحرة ويهمش الإنتاجات المستقلة.
معايير النجاح السينمائي
ولا يمكن قياس نجاح أي عمل سينمائي بمعيار واحد، إذ تتقاطع في تقييمه ثلاثة موازين رئيسة: العائد المالي المتحقق من إيرادات دور العرض، وحكم النقاد الذي يقيّم البناء الفني والمضمون الفكري بمعزل عن الحسابات التجارية، وأخيراً جوائز المهرجانات الدولية التي تمثل رأس مال رمزي وثقافي يمنح الأعمال المستقلة فرصة للبقاء خارج دائرة الإيرادات الفورية. غير أن الهيمنة الاحتكارية تعمل في الغالب على ترجيح كفة الميزان التجاري، إذ تتحكم الشركات الكبرى في عدد الشاشات وتوقيتات العرض بما يخدم الأفلام ذات الميزانيات الضخمة، على حساب الأعمال الفنية والمستقلة التي تجد في النقد الجاد والجوائز الكبرى متنفساً وحيداً لإثبات حضورها.
على الصعيد العالمي
تبرز الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها النموذج الأبرز لهذه الهيمنة، حيث تقود الاستوديوهات الكبرى المشهد بأفلام السلاسل الكبرى ذات العائد التجاري الضخم، في مقابل نضال متواصل تخوضه السينما المستقلة بدعم من النقد والمهرجانات ومنصات البث الرقمي. وفي المقابل، تتبنى دول أوروبية كبرى مثل فرنسا وألمانيا نموذجاً قائماً على الحماية الثقافية والدعم الحكومي المباشر، بما يخفف من غلواء الهيمنة التجارية ويمنح النقد الأكاديمي والمهرجانات دوراً سيادياً في توجيه التمويل. أما في القارة الآسيوية، فتتفاوت النماذج بين السيطرة السيادية الصارمة في الصين، والنفوذ المتنامي للشركات الكبرى في كوريا الجنوبية، ومنظومة النجوم المهيمنة في الهند، مقابل استقرار محلي في اليابان يقوم على ثقل ثقافي متراكم.
على الصعيد الإقليمي العربي
وعلى الصعيد الإقليمي العربي، تتسم خريطة الإنتاج السينمائي بتفاوت واضح في الأطر التشريعية والتنظيمية الناظمة لحركة الاستحواذ والاندماج بين شركات الإنتاج والتوزيع، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة دول المنطقة على الحد من تغوّل الشبكات الاحتكارية العابرة للحدود، وتبرز في هذا السياق محاولات متفرقة لبناء منظومات تمويل مشترك وشبكات توزيع تتجاوز حدود الدولة الواحدة، غير أنها ما تزال دون المستوى الكافي لموازنة النفوذ المتنامي للكيانات العالمية الكبرى.
وتتوزع مراكز الإنتاج العربية التاريخية على ثلاثة نماذج متمايزة. فمصر تحتفظ بموقعها بوصفها المركز الأقدم والأعرق في المنطقة، بما تملكه من بنية تحتية وخبرات فنية متراكمة، وإن كانت تعاني اليوم من هيمنة شبكات توزيع وإنتاج محدودة تحدد أجندة الإيرادات على حساب الأعمال الثقافية. وتراهن دول المغرب العربي على نموذج الدعم الحكومي والتمويل المشترك مع الصناديق الأوروبية، وتحقق حضوراً لافتاً في المهرجانات العالمية رغم ضعف شبكات التوزيع المحلي. بينما تنتج دول المشرق العربي أعمالاً وثائقية وقضوية تحظى بتقدير نقدي رفيع، وإن كانت تصطدم بانهيار بنى العرض وشح التمويل في بعض دولها.
المملكة العربية السعودية.. قاطرة الاستثمار السينمائي الصاعدة
أما على الصعيد السعودي، فتمثل المملكة العربية السعودية اليوم المركز الأسرع نمواً على مستوى المنطقة والعالم معاً، بعدما شهدت خلال سنوات قليلة استثمارات غير مسبوقة أفضت إلى بناء مئات الشاشات السينمائية الحديثة في مختلف مدنها، إلى جانب إطلاق صناديق تمويلية وطنية كبرى تدعم الإنتاج المحلي وتفتح الباب أمام صناعة سينمائية متكاملة الحلقات. ويمثل هذا الزخم الاستثماري فرصة حقيقية لكسر النماذج الاحتكارية الوافدة من الخارج، عبر بناء منظومة إنتاج وتوزيع وطنية قادرة على المنافسة، غير أن هذه الفرصة تصطحب معها تحدياً مستمراً يتمثل في تحقيق التوازن الدقيق بين الاستقطاب التجاري السريع الذي تفرضه شركات التوزيع العالمية الكبرى، وبين ضرورة بناء صناعة محلية مستدامة تحفظ الهوية الثقافية وتمنح المحتوى المستقل مساحته الطبيعية. ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بمدى قدرة الجهات الوطنية المعنية على ربط التمويل بمعايير النقد الجاد وحضور المهرجانات، بدلاً من الاكتفاء بمعيار الإيرادات الفورية وحده.
أفق سينمائي أكثر توازناً
وتخلص هذه المعطيات مجتمعة إلى أن أزمة التركّز الاحتكاري تمثل تحدياً هيكلياً يختزل قيمة السينما في أرقام شباك التذاكر المؤقتة، ما لم تتكامل هذه الأرقام مع مكتسبات النقد الجاد والمهرجانات السينمائية الكبرى. ويستدعي ذلك سنّ تشريعات وطنية صارمة تحد من التعسف في استخدام الهيمنة الناتجة عن التكامل الرأسي والأفقي، إلى جانب إرساء آليات دعم مؤسسي تربط بين تمويل الأفلام وتقييمات النقاد ورصيد المهرجانات الدولية، وتعزيز قنوات التوزيع البديلة والمنصات الرقمية الحديثة، بما يفتح الباب أمام سينما عربية أكثر تنوعاً واستدامة، تسير فيها المملكة العربية السعودية اليوم بخطى متسارعة نحو ترسيخ موقعها كقاطرة استثمارية واعدة في هذا المجال.
** **
أكاديمي وخبير إعلامي - كلية الاتصال والإعلام، جامعة الملك عبدالعزيز