نجلاء العتيبي
تتحدَّث بحماسٍ عن آراء الناس فيها بعد حضورها مناسبة، وأسْهبت في سرد ما قالوه، وما لاحظوه، وكيف نظروا إليها، حتى تجاوز حديثُها الحدَّ الطبيعيَّ، أصغيتُ إليها طويلًا، ثم وجدتني أتفكَّر فينا نحن البشر: متى أصبح تقدير الآخرين ميزانًا نزنُ به أنفسنا؟ ولماذا نمنح أفواه الناس سُلطة تحديد قيمتنا، مع أن كلماتهم تتغيَّر بتغيُّر المصلحة والمزاج والانطباع؟
من يضع قدره في يد الآخرين يُسلّم مفاتيح نفسه لأمزجةٍ متقلّبةٍ؛ ترفعه كلمةٌ في الصباح، وتهوي به نظرةٌ في المساء، فيعيش عمره مترقّبًا رضًا لا يستقرُّ، وتصفيقًا ينتهي فور انصراف أصحابه.
قيمتك ليست ما يُقال عنك في مجلس غبتَ عنه، ولا الصورة التي يرسمها شخصٌ لم يعرف معاركك، ولا التقدير الذي صاغه أحدهم من موقفٍ واحدٍ لم يكشف له حقيقتك، ولكن قيمتك فيما حفظتَهُ من كرامتك حين كان التنازل أسهل، وفي صدقك عندما أغرتك النجاة بالكذب، وفي قدرتك على النهوض بعد أيامٍ ظننتَ أنها استنفدتْ آخر ما فيك، هناك انتصارات لا يراها أحدٌ، ومع ذلك تُعيد بناء إنسان كامل من الداخل.
فالناس ينظرون من نوافذهم الخاصة؛ كلُّ واحدٍ يراك بمقدار اتساعه، ونقاء بصيرته، وتجربته، وما يسكنه من نقص أو سلام، قد ينتقص منك عاجز؛ لأن حضورك يُذكّره بما أهمله في نفسه، وقد يُسيء فهمك مَن اعتاد قياس البشر بمظاهرهم؛ لهذا لا تجعل رأيًا محدودًا مرآتَكَ الوحيدةَ، ولا تسمح لصوتٍ مرتفعٍ أن يهزم معرفة هادئة كوَّنتَها عن ذاتك عبر السنين.
ليست الثقة أن ترى نفسك مُنزَّهًا عن الخطأ، وإنما أن تعرف مواضع قوتك وضعفك دون احتقارٍ، أن تصلح ما تستطيع، وتسامح نفسك على ما تجاوزته، وتواصل السير من غير حاجة إلى إثبات مستمر؛ فالإنسان الواثق لا يقضي أيامه في إقناع الآخرين بقيمته؛ فأعماله تتحدَّث، ومواقفه تترك أثرها، وضميره يمنحه ميزانًا أدقَّ من مديحٍ متقلّبٍ أو ذمٍّ متعجلٍ.
ضوء
«إن الشخص ذا القيمة هو الذي يعرف القيم كما يعرف الصائغُ درجات الذهب». - توفيق الحكيم.