نادر جدي الطويق
من منظور اجتماعي تجسد هذه الآية الكريمة: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]. كيف يُنظر إلى الفرد بوصفه امتدادًا لإرث أسرته، فلا يُقرأ بمعزل عن بيئته الاجتماعية، بل يُفسَّر سلوكه في ضوء السمعة المتراكمة والقيم التي تمثلها جماعته الأولى.
ويتوافق ذلك مع مفهوم إعادة الإنتاج الثقافي؛ إذ لا تنتقل المكانة الاجتماعية وحدها عبر الأجيال، بل تُعاد أيضًا إنتاج المنظومة القيمية، وأنماط التفكير، والتوقعات الاجتماعية من خلال التنشئة .فالناس لا يرثون المال فحسب، بل يرثون أيضًا السمعة، ورأس المال الثقافي، والصورة الذهنية التي يحملها المجتمع عن أسرهم.
وقد بنى قوم مريم حكمهم الأول على ما عرفوه عن أسرتها من صلاح وعفة، فكان استغرابهم نابعًا من تعارض الحدث الظاهر مع الصورة الاجتماعية الراسخة لديهم، ولذلك استدعوا تاريخ الأسرة بوصفه مرجعًا لتفسير ما رأوه.
وتبرز هنا فكرة رأس المال الثقافي؛ فصلاح الأسرة منح مريم مكانة اعتبارية وثقة اجتماعية سبقت أي تفاعل مباشر معها، كما أن المجتمع كوَّن توقعاته بناءً على هذا الرصيد الرمزي. ومن ثم فإن السمعة لا تقتصر آثارها على الماضي، بل تؤثر في كيفية استقبال المجتمع لسلوك الفرد وتفسيره.
وتُظهر الآية أن المجتمع لا ينظر إلى الفرد بمعزل عن أسرته، بل يفسر سلوكه في ضوء إرثها الاجتماعي؛ فابن الأسرة الصالحة يُتوقع منه الصلاح، بينما قد يُساء الظن بابن الأسرة سيئة السمعة قبل أن يُعرف فعله..
ومع ذلك، فإن الخطاب القرآني في مجمله يقرر مبدأً آخر يكمل هذه الحقيقة الاجتماعية، وهو أن المسؤولية الفردية لا تُختزل في الإرث الاجتماعي؛ فمع أن المجتمعات تميل إلى الحكم من خلال السمعة والرموز، فإن ميزان العدل يقوم على العمل الفردي، كما قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وهنا يبرز الفرق بين وصف آلية المجتمع في إصدار أحكامه، وبين المعيار الذي يقرره الوحي للحكم على الإنسان؛ فالقرآن يصف الواقع الاجتماعي كما هو، ثم يصحح ميزان العدالة ما ينبغي أن يكون.
ختاماً
(واجعل لي لسان صدق في الاخرين) سُمعتك ستعيش أكثر منك.