حذامي محجوب
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، انطلقت من المملكة العربية السعودية فكرة بدت في ذلك الوقت جريئة واستثنائية: أن تخرج من حدودها لتقدم نفسها إلى العالم بنفسها، وأن لا تترك صورتها في أذهان الشعوب رهينة لما يُقال ويُنقل عنها من بعيد، بل تجعل العالم يرى تاريخها وحضارتها ومجتمعها ونهضتها من خلال تجربة مباشرة وحيَّة.
كانت الفكرة إقامة معرض إعلامي وثقافي عالمي متكامل، معرض متجول يحط رحاله في أهم عواصم ومدن العالم المختلفة، يحمل معه صورة واسعة عن المملكة، لا باعتبارها دولة نفطية فحسب، ولا باعتبارها موطن الحرمين الشريفين فقط، وإنما باعتبارها دولة ذات تاريخ عريق وثقافة ثرية ومجتمع وفنون وحياة متحركة ونهضة عمرانية وإنسانية.
حين وصل المعرض إلى تونس، كان الإقبال الجماهيري عظيماً واستثنائياً، حتى إن قرابة مليون زائر توافدوا عليه، في مشهد عكس حجم الفضول والاهتمام العربي بالمملكة، وبيّن أن الشعوب حين تُتاح لها فرصة معرفة الآخر مباشرة، فإنها تكتشف غالباً صورة أكثر ثراءً من تلك التي ترسمها الانطباعات البعيدة.
ولم تكن أهمية تلك التجربة في أرقام زوارها وحدها، وإنما في الفكرة التي كانت وراءها.
كان هناك قائد عظيم، رجل يؤمن بأن المملكة ينبغي أن تتحدث عن نفسها، وأن الثقافة يمكن أن تكون جسراً سياسياً وحضارياً، وأن صورة الدولة جزء من قوتها، وأن الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الهوية، بل القدرة على تقديم الهوية بثقة إلى العالم.
ذلك القائد كان سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض آنذاك، الذي أصبح بعد عقود خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.
لعل العودة إلى تلك التجربة المبكرة اليوم، ونحن نرى المملكة وقد أصبحت إحدى أكثر الدول حضوراً في النقاشات الدولية حول الاقتصاد والاستثمار والطاقة والثقافة والسياحة والرياضة والدبلوماسية، تكشف أن ما يحدث ليس قطيعة كاملة مع الماضي، وإنما امتداد لمسار بدأ قبل عقود، وإن اختلفت الأدوات واتسعت الطموحات وتضاعف حجم المشروع.
فالذي كان معرضاً متنقلاً في عواصم العالم أصبح اليوم اقتصاداً يستقطب الاستثمارات، ومدناً ومشروعات عملاقة تستقطب السياح والمبدعين، ومناسبات رياضية وثقافية عالمية، ومؤتمرات دولية، ومنصات دبلوماسية، ورؤية وطنية تمتد إلى عام 2030 وما بعده.
ومن هنا تبدأ قصة الملك سلمان مع صناعة الحضور العالمي للمملكة.
لم يكن الرجل الذي وصل إلى الحكم في يناير 2015 حديث العهد بإدارة الدولة أو بمعرفة العالم.
فقد أمضى أكثر من خمسة عقود أميراً للرياض، وتولى الإمارة في مرحلة شهدت تحول العاصمة من مدينة محدودة الحجم إلى عاصمة إقليمية كبرى لها مكانتها عالمياً. وتذكر السيرة الرسمية للملك أنه عُيِّن أميراً للرياض بالنيابة عام 1954، ثم أميراً لها بمرتبة وزير عام 1955، وعاد إلى الإمارة عام 1963، واستمر فيها حتى عام 2011 .
وخلال هذه العقود شهدت الرياض توسعاً كبيراً في الطرق والمستشفيات والجامعات والمرافق والبنية التحتية، وتحولت تدريجياً إلى مركز إقليمي للأعمال والسفر.
وهنا تكمن أهمية تلك المرحلة في فهم شخصية الملك سلمان.
فالرياض لم تكن بالنسبة إليه مجرد عاصمة يدير شؤونها اليومية، وإنما كانت مختبراً لفكرة أكبر: كيف تتحول مدينة محلية إلى مدينة حديثة دون أن تفقد شخصيتها، وكيف يمكن للتنمية العمرانية أن تسير جنباً إلى جنب مع الثقافة والتاريخ، وكيف يمكن بناء علاقة بين الماضي والمستقبل بدلاً من وضعهما في مواجهة بعضهما البعض.
لذلك لم يكن غريباً أن يكون اهتمامه بالثقافة والتاريخ والعمل الإنساني حاضرا منذ وقت مبكر.
وتشير السيرة الرسمية إلى أنه، منذ عام 1956، ترأس لجاناً وهيئات لجمع التبرعات لمساعدة المتضررين من السيول والزلازل والكوارث، ودعم كل قضايا العالمين العربي والإسلامي.
هذه الخلفية مهمة للغاية، لأنها تكشف أن الحضور السعودي في العالم بالنسبة إلى الملك سلمان لم يكن مسألة علاقات سياسية فقط، بل كان له بعد إنساني وثقافي أيضاً.
وعندما انتقل سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز إلى مواقع المسؤولية الاتحادية، أولاً وزيراً للدفاع عام 2011، ثم ولياً للعهد عام 2012، قبل أن يصبح ملكاً في 2015، كان يحمل معه خبرة طويلة في الحكم وإدارة عاصمة الرياض، وعلاقات واسعة مع العالم، ومعرفة دقيقة بتوازنات الدولة والمجتمع ومؤسسات الحكم.
لكن لحظة توليه العرش جاءت في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي عرفه عندما كان أميراً للرياض.
كانت المنطقة تعيش اضطرابات غير مسبوقة، وأسواق النفط تمر بتقلبات حادة، والاقتصاد العالمي يتغير، ومراكز القوة الدولية تعيد ترتيب أولوياتها، والتكنولوجيا تعيد تشكيل المجتمعات، فيما كانت المملكة أمام سؤال تاريخي: كيف تحافظ على ثقلها السياسي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تنتقل إلى نموذج أكثر تنوعاً وانفتاحاً وقدرة على المنافسة؟
هنا جاءت المرحلة الأهم.
في أبريل 2016 أُطلقت رؤية السعودية 2030، بوصفها مشروعاً وطنياً واسعاً لتنويع الاقتصاد، وتمكين المجتمع، ورفع كفاءة الدولة، وفتح المملكة على العالم.
تصف الوثائق الرسمية للرؤية هذه المرحلة بأنها واحدة من أكبر برامج التحول الوطني، وأنها تستند إلى الموقع الإستراتيجي للمملكة وثرواتها ومكانتها باعتبارها موطن الحرمين وقلب العالمين العربي والإسلامي.
وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية حتى لا تختلط الأدوار.
رؤية 2030 ارتبطت عملياً بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي تولى إدارة ملفات التحول الاقتصادي والتنمية وبرامج الرؤية بصورة مباشرة، لكن ذلك حدث تحت قيادة الملك سلمان ومرجعيته السياسية.
لذلك فإن قراءة عهد الملك سلمان بصورة دقيقة لا تعني أن ننسب إليه كل مشروع تنفيذي قامت به مؤسسات الدولة أو ولي العهد، وإنما أن نفهم دوره في توفير الإطار السياسي والاستقرار المؤسسي والاتجاه العام الذي سمح لهذا التحول الكبير بأن يصبح مشروعاً وطنياً ممتداً.
وهذا التفريق لا يقلِّل من دور الملك، بل يضعه في موقعه الحقيقي.
فالدول لا تتحول بالمشروعات وحدها، وإنما بالقرار السياسي الذي يفتح الطريق أمام المشروعات.
ومن أبرز ما يميز عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، أن المملكة لم تعد تتعامل مع قوتها الاقتصادية باعتبارها غاية نهائية، بل بدأت تحولها إلى شبكة واسعة من أدوات التأثير.
الاستثمار أصبح أداة حضور.
والسياحة أصبحت أداة تعريف بالمملكة.
والثقافة أصبحت أداة اتصال.
والرياضة أصبحت منصة دولية.
والعمل الإنساني أصبح مؤسسة عالمية.
والمدن التاريخية أصبحت واجهات حضارية.
والقمم والمؤتمرات أصبحت ساحات للحوار مع القوى الكبرى.
وبهذا المعنى، فإن المملكة لم تعد تنتظر العالم كي يأتي إليها، بل أصبحت تبني أدوات تجعل العالم مهتماً بالمجيء إليها.
ولعل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية يقدِّم واحداً من أوضح الأمثلة على هذا التحول.
ففي 13 مايو 2015، أي بعد أشهر قليلة من تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان الحكم، أُنشئ المركز ليكون الذراع الإنسانية الدولية للمملكة، وأعلن الملك عند تأسيسه تخصيص مليار ريال لدعم جهوده، إضافة إلى مليار ريال سبق تخصيصه للاحتياجات الإنسانية في اليمن.
وكان المبدأ المعلن أن يكون تقديم المساعدة قائماً على الحاجة الإنسانية.
هذه ليست مجرد مؤسسة إغاثية.
إنها، في بعدها الإستراتيجي، تحويل للعمل الإنساني السعودي من جهود متعددة إلى منظومة مؤسسية ذات حضور دولي.
وخلال عقده الأول، نفذ المركز مشاريع في 105 دول وفي 13 قطاعاً إنسانياً، وفق تقريره الرسمي، بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة ومؤسسات دولية ومجتمع مدني في الدول المستفيدة.
وهكذا أصبحت كلمة «السعودية» مرتبطة، إلى جانب السياسة والطاقة والإنجاز، بمشهد آخر هو الطائرة التي تحمل الغذاء والدواء، والمستشفى الميداني، ومخيم اللاجئين، وبرنامج المياه، ومساعدة المتضررين من الكوارث.
وهذا شكل مهم من أشكال القوة الناعمة.
إن الدولة التي تصل إلى الإنسان في لحظة ضعفه تترك أثراً لا تصنعه البيانات السياسية وحدها.
وفي هذا السياق يمكن فهم الاهتمام السعودي المتواصل بالقضية الفلسطينية وبالمساعدات الإنسانية في الأزمات.
ففي الحرب على غزة، على سبيل المثال، أرسل مركز الملك سلمان للإغاثة طائرات وسفناً تحمل المواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإيواء، في إطار الجهود الإنسانية السعودية.
لكن الحضور العالمي الذي تشكل في عهد الملك سلمان لم يكن إنسانياً فقط.
لقد أعادت المملكة أيضاً بناء موقعها في الاقتصاد العالمي على قاعدة أكثر تنوعاً.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في مضمونها: النفط يجب ألا يكون نهاية القصة السعودية.
ومن هنا جاءت رؤية 2030 لتضع الاستثمار والسياحة والصناعة والتكنولوجيا والثقافة والترفيه واللوجستيات والطاقة المتجددة والرياضة ضمن منظومة واحدة.
وتقول وثائق الرؤية إن هدفها هو الانتقال من الاعتماد على صادرات النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعا، وأن الإصلاحات المصاحبة لها فتحت المملكة أمام العالم، ووسعت الفرص أمام الأعمال والاستثمار، وأحدثت تحولات في المجتمع، خصوصاً في ما يتعلق بالشباب والمرأة.
لكن الأهم من الأرقام والمشروعات هو التحول في سردية صورة المملكة.
قبل سنوات، كان كثير من الناس خارج المنطقة يعرفون السعودية من خلال النفط والحرمين والسياسة الإقليمية.
أما اليوم، فقد أصبحت أسماء مثل العلا، والدرعية، والقدية، والبحر الأحمر، ونيوم، والرياض آرت، وموسم الرياض، حاضرة في النقاش العالمي حول السياحة والثقافة والترفيه والاستثمار.
وهنا تلتقي المملكة الحديثة مع ذلك المعرض القديم، الذي كان يقول للعالم: «تعالوا لتروا السعودية».
أما المملكة اليوم فتقول للعالم: «تعالوا لتعيشوا السعودية».
الفارق هائل في الوسائل، لكن الفكرة الجوهرية واحدة، نقل المملكة إلى العالم، ثم نقل العالم إلى المملكة.
ولعل العلا هي إحدى أكثر الصور وضوحاً لهذا التحول الكبير.
فالموقع الذي كان يُقرأ أساساً باعتباره موقعاً أثرياً أصبح جزءاً من مشروع ثقافي وسياحي عالمي، تتعاون فيه المملكة مع مؤسسات دولية، ومنها اليونسكو، للحفاظ على التراث وتطويره وجعله فضاء للحوار والتنمية المستدامة.
تصف منظمة اليونسكو العلا بأنها ملتقى تاريخي للحضارات، وتعمل مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا منذ 2021 على حماية تراثها الطبيعي والثقافي وتطويرها كوجهة عالمية للفن والثقافة والطبيعة.
وهذه النقلة ليست تفصيلاً سياحياً.
إنها إعادة تعريف لصورة المكان.
فبدلاً من أن يكون التراث شيئاً محفوظاً في متحف، يصبح التراث نفسه جزءاً من اقتصاد المستقبل ومن الدبلوماسية الثقافية ومن صناعة الصورة الوطنية.
وهو منطق قريب جداً من تلك الفكرة التي حملها المعرض المتجول قبل عقود: الثقافة ليست زينة على هامش الدولة، وإنما وسيلة للتعريف بها وبناء علاقة بينها وبين الشعوب.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان أيضاً، اتسعت قدرة المملكة على استخدام موقعها الاقتصادي والسياسي في التأثير في الملفات الدولية الكبرى.
ولم يعد حضور الرياض محصوراً في المؤسسات التقليدية فحسب، بل أصبحت المملكة طرفاً أساسياً في النقاشات المتعلقة بالطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وجاءت رئاسة المملكة لمجموعة العشرين عام 2020 لتشكل واحدة من أبرز لحظات هذا الحضور العالمي.
فأن تستضيف السعودية قادة أكبر الاقتصادات العالمية في لحظة كان فيها العالم يواجه أزمة كوفيد-19 لم يكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل اختباراً لقدرة المملكة على إدارة منصة دولية في ظرف استثنائي.