سعود عبدالعزيز السعود
نظراً لما تطرحه صحيفتكم الموقرة من مساجلات فكرية ودراسات تاريخية تثري الساحة الثقافية الوطنية، أبعث لسعادتكم بهذه الدراسة النقدية المستعجلة تعقيباً على المقال الشائق المنشور في جريدتكم للكاتب فهد بن عبدالعزيز الفهد، والمعتمد على دراسة د. فهد بن عبدالعزيز الدامغ حول: «بلدات نجد بين التأسيس وإعادة الإعمار».. تأتي هذه المشاركة بهدف إثراء البحث العلمي الموصل للحقيقة التاريخية، وتفكيك أبعاد الظاهرة العمرانية في تاريخ نجد العريض.
وبصفتي مؤرخاً وباحثاً متعمقاً في نشأة البلدان النجدية، أسعدني جداً الاطلاع على هذا المقال للكاتب فهد بن عبدالعزيز الفهد اعتماداً على دراسة أجراها د. فهد بن عبدالعزيز الدامغ (بعنوان: بلدات نجد بين التأسيس وإعادة الإعمار).
المقال يتناول قضية منهجية وتاريخية على غاية من الأهمية والتعقيد في التاريخ النجدي، وهي الخلط بين «التأسيس الأول (النشوء من العدم)» و»إعادة الإعمار (الاستيطان بعد الخراب)».
فيما يلي دراسة نقدية وتحليلية شاملة للمقال، تهدف إلى إثراء البحث العلمي الموصل للحقيقة، وكشف الغايات والدوافع التي تقبع بين السطور:
أولاً: دراسة وتفكيك محتوى المقال (قراءة في الظاهر والسطور).
1 - الأطروحة المركزية للكاتب
* تاريخ غير متصل: يرى الكاتب أن معظم بلدات نجد مرت بدورات متعاقبة من «العمران، الخراب والمهجر، ثم إعادة الإعمار».
* أسباب الخراب والرحيل: يرجعها إلى عوامل قاهرة كالقحط، الجدب، الأوبئة، الحروب الداخلية، الضغط القبلي، أو ضياع أخبار البلدة لضعف التدوين.
* نقد التواريخ الشائعة: ينقد الكاتب التواريخ المتداولة لنشأة بعض بلدات سدير (مثل: روضة سدير، التويم، حرمة، المجمعة، جلاجل) التي تؤرخ لنشأتها في القرنَيْن السابع والثامن الهجريين، مؤكداً أنها تواريخ تقديرية وغير دقيقة، وغالباً ما تخص إعادة الإعمار لا التأسيس الأول.
* نقد دراسات «ابن لعبون»: أشار إلى الاعتماد الواسع على روايات ابن لعبون (رحمه الله) وأوضح أن بها تعارضات مع سلاسل الأنساب وقواعد حساب الزمن والشواهد الأثرية.
ثانياً: كشف ما تخفيه السطور (تحليل الدوافع والأبعاد المسكوت عنها) وراء هذا الطرح العلمي الأكاديمي، تكمن عدة أبعاد ودوافع نقدية ونفسية حاول الكاتب تسليط الضوء عليها:
1 - الدافع النفسي والاجتماعي («العلة النفسية» والوجاهة)
تفكيك المفاخرة العرقية/ الأسرية: يلمح الكاتب بوضوح إلى أن الإصرار على نسب «التأسيس الأول من العدم» لجد معين أو أسرة معينة نابع من «عقدة الأسبقية والرمزية».
فالربط بالمؤسس الأول يعطي الأسر والقبائل وجاهة اجتماعية وأسبقية تاريخية ومكانة معنوية، بينما اعتبار عملهم «إعادة إعمار» قد يُنقص في نظرهم من هذا المجد المتخيل.
2 - التحرر من «سلطة المؤرخين المتأخرين»
يهاجم المقال التكرار السلبي وروايات «المحليين» و»المؤرخين الإخباريين» الذين دونوا التاريخ في فترات متأخرة بناءً على المنقولات الشفهية أو الروايات السائدة بدون تمحيص نقدية أو قرائن مادية (آثار، وثائق، أدلة جغرافية).
3 - معالجة الجدل الفكري والإعلامي المعاصر
يشير المقال في نهايته إلى السجالات الحادة والمهاترات الإلكترونية وعلى منصات التواصل حول «من أسس هذه البلدة أولاً؟»، معتبراً هذا الجدل ضياعاً للوقت واختلالاً في التوازن الفكري، ومحاولة للانتصار الذاتي على حساب الحقيقة التاريخية.
ثالثاً: الرد العلمي والمقترحات لإثراء البحث الموصل للحقيقة لتعميق هذا الطرح وتطويره منهجياً، نورد الرؤى والردود العلمية التالية:
1 - الإقرار بالمنهج النظري مع الحذر من «التطميم الشامل»
* اتفاق علمي: طرح الكاتب صحيح تماماً من حيث المبدأ؛ فنشأة نجد عبر التاريخ الحضاري (القديم والوسيط والحديث) كانت خاضعة لظاهرة الإعمار والاندثار نتيجة الجفاف والحروب.
* تحفظ منهجي: يجب ألا نقع في فخ «إنكار التأسيس الحديث» لمجرد وجود آثار قديمة في نفس الموضع الجغرافي.
فالبلدة كمجتمع ونظام اجتماعي واقتصادي وسياسي جديد قد تعتبر «مؤسَّسة حديثاً» وإن قامت على أنقاض قرية جاهلية أو إسلامية مبكرة اندثرت تماماً ولم يبقَ منها إلا اسم المكان أو بقايا قلعة.
2 - التمييز بين «المكان الجغرافي» و»الكيان الحضري»
ينبغي للباحثين التفريق بين:
* جغرافية الموضع: (المكان، العيون، الآبار) وهذه قد يعود تاريخها لآلاف السنين (كطسم وجديس أو العصر الجاهلي وصدر الإسلام).
* الكيان النظيمي والاجتماعي للبلدة: والذي يشكله المؤسس الفعلي الذي أحيا الأرض الموات، وبنى السور، وجمع الناس، وأرسى نظاماً حطّاماً للبلدة فهذا يُعد تأسيساً تاريخياً جديداً للبلدة بمفهومها الحديث.
3 - إحياء المنهج المتكامل
* للخروج من دائرة النزاع الأُسري والإخباري، يجب اعتماد الأدوات التالية:
* الأركيولوجيا (الآثار الميدانية): الطبقات الأثرية وفحص الكربون 14 للفخار والمباني للتحقق من فترات الاستيطان والانقطاع.
* الوثائق والمستندات المحلية: الصكوك، أوقاف النخيل، المبايعات القديمة التي تعطي تواريخ حدّية دقيقة.
* الجغرافيا التاريخية والمناخ القديم: ربط فترات جفاف نجد الكبرى بفترات خلو البلدات وهجرتها.
الخلاصة:
لقد وضع الكاتب د. فهد الدامغ يده على جرح منهج علمي يؤرّق الباحث الجاد في تاريخ نجد، وهو غلبة الهوى العاطفي والوجاهة الاجتماعية على التوثيق العلمي والتحليل المجرد.
والرد الأمثل للارتقاء بهذا المجال هو تحويل هذا النقاش من سجال أسرائي/ قبلي إلى مشروع علمي مؤسسي يعتمد على الحفر الأثري، وقراءة الوثائق، وتفكيك النصوص، والاعتراف بأن تاريخ نجد هو سلسلة متصلة من التجدد الحضاري، وأن «إعادة الإعمار» لا تقل قيمة حضارية وهندسية عن «التأسيس الأول»..