أنس تشكالا
نقضي سنوات طويلة في محاولة معرفة العالم من حولنا، نتعلم أسماء الأشياء، ونقرأ عن التاريخ والجغرافيا، ونتابع أخبار الناس، ونكتشف أسرار العلوم، ونكوّن آراء في المجتمعات والأشخاص والأحداث، لكن وسط هذا الانشغال كله، يبقى سؤال أكثر قربًا منا وأكثر صعوبة: هل نعرف أنفسنا حقا؟
قد يبدو السؤال بسيطا، بل ربما يثير ابتسامة لدى بعضنا، كيف لا أعرف نفسي وأنا أعيش معها منذ ولادتي؟ أعرف ما أحب وما أكره، وأعرف أحلامي ومخاوفي، وأستطيع أن أصف شخصيتي في بضع كلمات، لكن معرفة الإنسان لنفسه ليست بهذه السهولة، فالدراسات الحديثة في علم النفس تنظر إلى معرفة الذات بوصفها قدرة على تكوين تصورات دقيقة عن صفاتنا وحالاتنا ومشاعرنا ودوافعنا، وهي معرفة قد تختلف من جانب إلى آخر ومن موقف إلى آخر.
المشكلة أن الإنسان لا يرى نفسه دائما كما هي، وإنما كما يحب أن يراها، قد يصف عناده بأنه ثبات، وخوفه بأنه حذر، وتردده بأنه تفكير عميق، وانشغاله الدائم بأنه طموح، وابتعاده عن الناس بأنه استقلالية، وهنا تبدأ المسافة بين حقيقة الإنسان والصورة التي صنعها عن نفسه.
وليس أصعب على الإنسان من أن يكتشف أن بعض الصفات التي دافع عنها سنوات لم تكن كما ظن، فربما يعتقد أنه صريح، بينما يراه الآخرون جارحًا، وربما يظن أنه متسامح، لكنه يكتشف أنه لا يستطيع نسيان الإساءة، وربما يعتقد أنه يحب النجاح، ثم يكتشف أنه يخاف الفشل أكثر مما يحب النجاح نفسه، نحن بارعون في تفسير أفعالنا، لكننا لسنا دائمًا بارعين في فهم دوافعها.
قد يقول الإنسان: «لم أذهب لأنني كنت مشغولًا»، بينما الحقيقة أنه لم يذهب لأنه لم يكن يريد المواجهة. وقد يقول: «رفضت الفرصة لأنها لا تناسبني»، بينما كان السبب الحقيقي خوفه من التجربة الجديدة. وقد يكرر: «أنا لا أهتم برأي الناس»، في حين أن جزءًا كبيرًا من قراراته يتشكل من رغبة خفية في الحصول على قبولهم، وهنا تكمن إحدى المفارقات: قد نحتاج إلى الآخرين أحيانًا لكي نرى أنفسنا.
فالإنسان يستطيع أن ينظر إلى المرآة ليرى وجهه، لكنه يحتاج إلى علاقاته وتجربته وملاحظات الآخرين ليرى جوانب كثيرة من شخصيته. وتشير الأدبيات النفسية إلى أن التغذية الراجعة من أشخاص يعرفوننا جيدًا يمكن أن تكون طريقًا مهمًا إلى معرفة الذات، إلى جانب التأمل في السلوك والتجارب، لكننا لا نحب دائمًا المرايا التي تكشف لنا ما لا نريد رؤيته.
نحب من يمدحنا، ونضيق بمن يصارحنا، نبحث عن الأشخاص الذين يؤكدون الصورة التي نملكها عن أنفسنا، ونبتعد أحيانًا عمن يقدم لنا صورة مختلفة. ولذلك قد يعيش الإنسان سنوات طويلة محاطًا بأشخاص يقولون له ما يحب أن يسمعه، حتى يأتي موقف واحد كفيل بكشف شيء لم يكن يريد معرفته عن نفسه.
ولعل التجارب الصعبة من أقوى المرايا، فالإنسان قد لا يعرف مقدار صبره حتى يطول انتظاره، ولا يعرف قدرته على التسامح حتى يتعرض للإساءة، ولا يعرف حقيقة علاقاته حتى يمر بأزمة، ولا يعرف قيمة ما يملك حتى يفقد جزءًا منه.
ولهذا فإن بعض الأحداث التي نعدّها في لحظتها خسائر قد تكون دروسًا عميقة في معرفة الذات. الفشل يكشف علاقتنا بالنجاح، والاختلاف يكشف قدرتنا على الحوار، والانتقاد يكشف مقدار تعلقنا بصورة أنفسنا، والوحدة تكشف الأشخاص الذين نحتاج إليهم حقًا، والاختيار الصعب يكشف القيم التي نضعها في مقدمة حياتنا.
لكن معرفة النفس لا تعني أن نجلس طوال اليوم في حالة تحليل دائم لكل كلمة وموقف. فالإفراط في التفكير قد يتحول إلى اجترار يرهق الإنسان بدل أن يساعده. وتشير أبحاث الوعي بالذات إلى أن التأمل البنّاء قد يرتبط بالنمو والقبول والمبادرة، بينما يمكن للاجترار أن يقود إلى نتائج أكثر سلبية. إذن، نحن لا نحتاج إلى أن نفتش داخل أنفسنا بلا نهاية، بل نحتاج إلى تأمل صادق وهادئ.
أن نسأل أنفسنا أحيانًا: لماذا غضبت؟ لماذا خفت؟ لماذا رفضت؟ لماذا فرحت بهذا الأمر تحديدًا؟ لماذا يزعجني نجاح شخص آخر؟ لماذا أحتاج إلى مدح الناس؟ لماذا أؤجل ما أعرف أنه مهم؟ وما الذي أفعله عندما لا يراني أحد؟ قد تكون هذه الأسئلة الصغيرة أكثر فائدة من عشرات النصائح الجاهزة.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت معرفة الذات أكثر تعقيدًا. فنحن لا نكتفي بأن نعيش حياتنا، بل نصنع لها صورة أمام الآخرين. نختار ما نعرضه، ونخفي ما لا نريد إظهاره، ونصنع نسخة رقمية من أنفسنا تبدو أكثر نجاحًا وسعادة وترتيبًا مما تكون عليه الحياة في حقيقتها.
ومع الوقت قد تحدث مفارقة غريبة: نصبح أكثر اهتمامًا بالصورة التي يراها الناس منا، وأقل اهتمامًا بالشخص الذي نكونه عندما نعود إلى أنفسنا.
قد يعرف المتابعون ما نقرأ، وأين نسافر، وماذا نحب، وما رأينا في الأحداث، لكنهم لا يعرفون بالضرورة ما يقلقنا، وما الذي نخافه، وما الذي نندم عليه، وما الذي نحاول تغييره في أنفسنا. والأسوأ أن الإنسان نفسه قد ينشغل بصورته الرقمية إلى درجة ينسى معها أن يسأل عن حقيقته الداخلية، لذلك فإن معرفة النفس تحتاج إلى شيء أصبح نادرًا في حياتنا: الهدوء.
نحتاج إلى لحظات لا نعرض فيها شيئًا، ولا ننتظر إعجابًا، ولا نجيب عن رسالة، ولا نتابع ما يفعله الآخرون. لحظات نجلس فيها مع أنفسنا دون جمهور. ففي الصمت قد تظهر أسئلة لا يسمح لها الضجيج بالظهور.
ونحتاج كذلك إلى شجاعة الاعتراف. أن نقول: نعم، أخطأت. نعم، أخاف. نعم، أغار أحيانًا. نعم، أحتاج إلى الآخرين. نعم، لدي نقاط ضعف. فالاعتراف بالضعف ليس هزيمة، وإنما بداية للتغيير. إن الإنسان لا يصبح أفضل لأنه أقنع نفسه بأنه كامل، بل لأنه عرف مواضع نقصه وبدأ يعمل عليها.
ومع ذلك، فإن معرفة الذات ليست مشروعًا له نهاية. فالإنسان يتغير. ما كان يخيفه في العشرين قد لا يخيفه في الأربعين، وما كان يريده بالأمس قد لا يريده اليوم، والتجارب تضيف إليه وتحذف منه، وتكشف له جوانب لم يكن يعرفها. وقد خلص إجماع علمي حديث إلى أن معرفة الذات قابلة للتغير، لكنها ليست سهلة، وتتأثر بالتجارب والتغذية الراجعة والتأمل وغيرها من مسارات التعلم عن النفس.
ولهذا ربما كان السؤال الأدق ليس: هل أعرف نفسي؟ وإنما: هل ما زلت مستعدًا لاكتشاف نفسي؟ فقد يكون أخطر ما يحدث للإنسان أن يعتقد أنه فهم نفسه بالكامل. عندها يتوقف عن الإصغاء إلى تجاربه، ويرفض المراجعة، ويضع نفسه داخل تعريف ثابت لا يسمح له بالنمو. أما الإنسان الناضج، فهو الذي يعرف أنه مشروع مفتوح؛ يكتشف نفسه في النجاح والفشل، في العلاقات والوحدة، في الاختيارات والندم، وفي الأشياء التي يقولها والأشياء التي يعجز عن قولها.
وفي النهاية، ربما لا تكون معرفة النفس أن تحفظ صفاتك وتعدد نقاط قوتك وضعفك، بل أن تعرف لماذا تفعل ما تفعل، وما الذي يحرك قراراتك، وما الذي يستحق أن تمنحه عمرك، ومن تكون عندما تسقط عنك كل الأدوار والصور والألقاب.
نحن نعرف أسماء كثيرة، ونعرف أخبار العالم، ونعرف كيف نصل إلى أي معلومة تقريبًا. لكن بين كل هذه المعارف تبقى معرفة واحدة لا ينبغي أن نهملها: أن تعرف الإنسان الذي يصحبك في كل طريق.. أنت.
فربما كانت الرحلة الأهم التي لم نبدأها بعد، ليست رحلة إلى مكان بعيد، ولا بحثًا عن عالم جديد، وإنما رحلة هادئة إلى الداخل؛ حيث السؤال القديم الذي لا يزال ينتظر جوابنا: هل نعرف أنفسنا حقًا؟