خالد محمد الدوس
في عصر تهيمن فيه منصات التواصل الاجتماعي على حياتنا اليومية، برزت ظاهرة مثيرة للقلق تتمثل في (التباهي الأخلاقي)..! والادعاء بالقيم الفاضلة، بينما تتناقض هذه الأقوال مع الأفعال في الواقع (العملي). هذه الظاهرة تعكس أزمة عميقة في الشخصية الأخلاقية للإنسان المعاصر، حيث أصبح الفضاء الافتراضي مسرحاً للاستعراض الأخلاقي دون ممارسة حقيقية.!
إن (غياب) المبادئ الأخلاقية الحقيقية لدى من يتشدقون بالقيم التربوية في مواقع التواصل يكشف عن مفارقة صارخة بين الأقوال والأفعال. فالإنسان الذي ينشر باستمرار مقولات عن الصدق والأمانة والإيثار والتواضع والوفاء والنبل، قد يكون في حياته اليومية «أبعد» ما يكون عن هذه القيم..! وهذا «الانفصام الأخلاقي» ليس مجرد تناقض عابر، بل هو دليل على تحول الأخلاق إلى مجرد أداة للاستهلاك الاجتماعي والترويج للذات..!
وتتجلى خطورة هذه المشكلة في عدة مظاهر، أبرزها: تسليع القيم الأخلاقية حيث أصبحت الأخلاقيات سلعة يتم تداولها لكسب «الإعجابات والمتابعين»..! دون أي التزام فعلي بمضمونها. كما أن مواقع التواصل تتيح للأفراد بناء «شخصيات افتراضية» مثالية تختلف جذرياً عن حقيقتهم، مما يخلق فجوة كبيرة بين المظهر الأخلاقي والجوهر السلوكي. إضافة إلى ذلك، فإن التركيز المفرط على الظهور الأخلاقي أمام الآخرين يؤدي إلى تراجع الدوافع الداخلية للسلوك الأخلاقي، حيث يتحول السلوك القويم إلى مجرد أداء مسرحي يراقبه الجمهور، كما يقول عالم الاجتماع الشهير إرفنج غوفمان.
والأكثر إثارة للقلق هو أن «التباهي الأخلاقي» أصبح وسيلة فعالة لكسب المكانة الاجتماعية والنفوذ في الفضاء الرقمي، مما يجعل الأخلاق أداة للصعود الاجتماعي بدلاً من أن تكون غاية في حد ذاتها. وهذا التحول يعكس أزمة قيمية عميقة، حيث تم استبدال الأخلاق الجوهرية بأخلاقيات سطحية ترتبط بمظهر الشخصية الرقمية.!
إن أسباب هذه المشكلة متعددة، فهي تعكس من ناحية ضعف المنظومة التربوية التي ركزت على الشكل الأخلاقي دون الجوهر، وتكريس ثقافة المظاهر التي تغذّيها وسائل الإعلام ومنصات التواصل، إضافة إلى الضغوط النفسية التي تدفع بعض الأفراد للبحث عن تعويض عما يعجزون عن تحقيقه في الواقع من خلال بناء صور مثالية في الفضاء الافتراضي..وقد تكون أحياناً(انعكاساً) لـ»عقدة النقص»، أو «الجوع التقديري»..! فمن يفتقر إلى الإنجاز الحقيقي يلجأ إلى التظاهر الأخلاقي كتعويض نفسي سريع..!
وتزداد خطورة الموقف عندما يتولى بعض هؤلاء الأشخاص مهام تربوية أو دينية أو توجيهية، أو قيادة مبادرة اجتماعية، حيث يصبح تباينهم الأخلاقي أكثر تأثيراً على المجتمع. فالمربي الذي يدعو أبناءه إلى الصدق بينما هو في واقعه يفتقر لهذه الصفة، أو الداعية الذي ينشر مقاطع في فضيلة التسامح وهو لا يطبقها مع جيرانه، أو شخص يدير عملا خيريا أو اجتماعيا.. لايكترث في التفاعل الذي يرد له في موقعه الرقمي..! هؤلاء يحدثون شرخاً كبيراً في ثقة الأفراد بالقيم ذاتها، وقد يؤدي هذا التناقض إلى فقدان المصداقية ليس فقط في الشخص، بل في القيم التي يدعّيها.
ولعلاج هذه المشكلة المجتمعية، ينبغي العودة إلى مفهوم الأخلاق كسلوك داخلي ينبع من قناعة شخصية قبل أن يكون أداءً خارجياً. فالتربية الأخلاقية الحقيقية لا تقوم على الوعظ والإرشاد النظري فقط، بل على القدوة العملية والسلوك اليومي الذي لا يحتاج إلى منصات عرض للتحقق منه. كما ينبغي إعادة النظر في ثقافة المظاهر التي تجعل من الأخلاق مادة للتصوير والنشر، بدلاً من جعلها ممارسة حياتية في المواقف اليومية، وخاصة تلك التي لا يشهدها أحد.
إن غياب التطابق بين الأقوال والأفعال ليس مجرد سلوك فردي، بل هو انعكاس لاختلال في النظام القيمي داخل البناء الاجتماعي. فعندما تصبح القيم النبيلة مجرد شعارات للتصدر والنجاح الاجتماعي دون أن تكون «ممارسة واقعية»، فإن ذلك يهدم الثقة بين الناس ويجعل كل حديث عن الأخلاق مجرد كلام في الهواء..!
فالأخلاق (الحقيقية)هي تلك التي تمارس في صمت، دون رغبة في التوثيق أو نشر أو متابعة. فالقيم التي تحتاج إلى منصة لتثبت وجودها، هي «قيم هشة» تتبدد بأول ريح نقد..! أما القيم الراسخة، فتظهر في المواقف التي لا تشهدها العدسات، وفي اللحظات التي لا يراها أحد سوى الله عز وجل، ثم النفس. هنالك يكمن الميزان الحقيقي للشخصية الأخلاقية.