د. غالب محمد طه
قبل ثلاث سنوات، وبعد ستة أشهر من الانتظار، حصل كتابي على التصديقات النهائية. كنت قد أنهيت تأليفه بعنوان «رؤية أمة 2030: دور وسائل الإعلام الحديث في تعزيز الصورة الذهنية للسعودية». كنت متحمسًا للغاية؛ فالكتاب يقدم قراءة للسعودية بعيون غير سعودية عشقت تفاصيل الرؤية، وكنت أريد أن أقيس أحد محاورها، وهو الإعلام، من خلال الأدوات العلمية للاتصال.
لكن قبل أن يصل الكتاب إلى القارئ، مرت في ذهني أسئلة كثيرة.
لم تكن من جهة رسمية، بل من أصدقاء ومعارف غير سعوديين. كانت أسئلتهم حذرة، ومحبة في بعض الأحيان، لكنها حملت دهشة حقيقية: لماذا كل هذا الجهد للمملكة؟ لماذا تكتب عنها بهذا العمق؟ لماذا تكرِّس وقتًا وطاقة لتأليف كتاب عن صورتها الإعلامية؟
سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره إشكالية أعمق: أن الكتابة عن السعودية لا تزال، حتى اليوم، تحتاج إلى تبرير.
لم يكن الدافع وراء كتابي دفاعًا عن السعودية، ولا محاولة لتحسين صورتها الجميلة. كان أقرب إلى فضول مهني: أردت أن أختبر تجربة سعودية بأدوات الإعلام والاتصال التي تعلمتها، وأنظر إليها من زوايا متعددة، من بينها نظرة بعض العيون الأجنبية التي أعجبت بالرؤية. كنت أرى في رؤية 2030 مشروعًا طموحًا إلى درجة أن بعض نتائجه المتوقعة بدت في ذلك الوقت أقرب إلى المستحيل.
وما جذبني إليه حقًا، كإعلامي، أنه لم يكن مجرد خطة اقتصادية، بل حالة اتصالية فريدة: دولة تعلن عن نفسها بصيغة مستقبلية طموحة، وتدعو العالم إلى أن يعيد النظر في صورته عنها. كنت أريد أن أسأل: كيف يمكن للإعلام أن يسهم في بناء صورة ذهنية لدولة في لحظة تحول كبرى؟ وهل يمكن لهذه الصورة أن تكون أكثر من مجرد انطباعات عابرة أو خطابات دعائية؟
وكانت الإجابة التي أقدمها لأصدقائي بسيطة: لأنها تمتلك رؤية. رؤية تستحق أن تُدرس وتُفهم، لا أن تُمدح أو تُنتقد فقط.
والحقيقة أن الكتاب، رغم حصوله على التصديقات النهائية، لم يصل إلى القارئ. فقد بقي في الأدراج؛ إذ لم أجد يومها الشجاعة الكافية لتوزيعه. ربما كنت أخشى أن يُقرأ قبل أن يُفهم، أو أن يُختزل في خانة المديح لمجرد أنه يتناول تجربة سعودية بإعجاب مهني. وربما كان ذلك التردد نفسه جزءًا من المشكلة التي كنت أحاول أن أكتب عنها.
ثم مرّ الوقت، ووجدت نفسي بعد فترة أمام مفارقة لم أتوقعها: أحتاج إلى طبعة جديدة من كتاب لم أوزع طبعته الأولى.
لم يكن السبب أن الكتاب فقد قيمته، وإنما لأن موضوعه تغير. السعودية التي كتبت عنها قبل سنوات لم تتوقف عند النقطة التي توقفت عندها صفحات الكتاب، والإعلام الذي حاولت أن أقيس دوره في صناعة الصورة الذهنية لم يعد هو الإعلام نفسه. تغيرت المنصات، وتسارعت صناعة المحتوى، ودخلت تقنيات جديدة إلى المشهد، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من البيئة الاتصالية، وتطورت طريقة الدول في بناء حضورها والتحدث إلى العالم.
لذلك أصبحت الحاجة إلى طبعة منقحة أكثر من مجرد إعادة طباعة كتاب لم يجد طريقه إلى القارئ؛ أصبحت محاولة لمراجعة الفكرة نفسها بعد أن اختبرها الزمن، وإضافة ما استجد من أحداث وتقنيات وتحولات لم تكن ممكنة عند تأليفه.
الكتابة عن السعودية لا ينبغي أن تحتاج إلى تبرير؛ ما تحتاجه هو معيار مهني.
أتذكر اليوم مقالًا كتبه عبد المحسن الماضي عام 2018 عن مشكلات دراسة المجتمع السعودي. كان يصف صعوبات يواجهها الباحث والكاتب: شح المعلومات، والحساسيات الاجتماعية، والخوف من الوقوع بين اتهامات المديح والنقد. كان تشخيصًا دقيقًا لزمن كانت فيه المشكلة الأساسية هي الوصول.
لكن بعد ثماني سنوات، تغير المشهد.
السعودية اليوم أكثر حضورًا في صناعة رسالتها الإعلامية. تتحدث عن نفسها عبر مؤسساتها ومنصاتها، وتقدم معلوماتها ورواياتها إلى العالم بصورة مباشرة. الأخبار والتصريحات والمحتوى الرقمي متاحة بوفرة لم تكن موجودة قبل عقد. وهذا التحول لا يلغي دور الإعلام، بل يعيد تعريفه. فلم تعد مهمة الكاتب أن يكون نافذة يطل منها العالم على السعودية؛ فالسعودية اليوم تملك نوافذها الخاصة. ومهمته الأصعب أن يكون قادرًا على قراءة ما يراه من خلالها، وأن يضيف للقارئ ما لا يستطيع الوصول إليه بمجرد البحث السريع.
وهنا تظهر المفارقة: حين كانت المعلومات قليلة، كانت المشكلة في الوصول إليها. وحين أصبحت وفيرة، أصبحت المشكلة في كيفية التعامل معها.
لم يعد السؤال: هل توجد معلومات كافية؟ بل: كيف يختار الكاتب من هذا الفيض ما يستحق؟ وكيف يميز بين المعلومة والسياق، وبين الصورة والواقع؟ والتحدي الجديد أمام الإعلامي ليس نقص المعلومات، بل البيئة الرقمية التي قد تقدم للقارئ ما ينسجم مع الصورة التي يحملها مسبقًا، وتكرر له ما يتوقعه، بدل أن توسع رؤيته وتكسر القوالب الجاهزة.
وفرة المعلومات لا تنتج فهمًا تلقائيًا. بل قد تنتج اختزالًا جديدًا. فالكاتب الذي يدخل الموضوع بصورة ذهنية جاهزة يستطيع، وسط هذا الكم الهائل، أن يجد ما يؤكدها. وكلما اتسعت المادة المتاحة، أصبح من السهل انتقاء ما يخدم الرواية التي يريدها، وترك ما لا ينسجم معها.
وهنا أعود إلى سؤال أصدقائي: لماذا كل هذا الجهد للمملكة؟
ربما كان هذا السؤال يعكس، دون قصد، جزءًا من المشكلة. فالكتابة عن السعودية، حتى عندما تكون مدعومة بأدوات علمية ورؤية مهنية، لا تزال تواجه تساؤلًا عن الدافع. وكأن الموضوع يحتاج إلى تبرير إضافي، وكأن الكتابة عنه ليست مجرد اختيار مهني، بل موقف يجب تفسيره.
وهذا يقودنا إلى ما أعتبره التحدي الجديد: لم تعد المسألة فقط كيف نصل إلى المعلومة، وإنما كيف نقرأ وفرة المعلومات دون أن نقع أسرى لها. كيف نجمع مصادر متعددة، ونضعها في سياقها، ثم نبني منها صورة لا تختزل الموضوع في عنوان واحد.
وهنا تبدو مقولة رياض الريس، التي افتتحت بها كتابي، مختلفة قليلًا اليوم. في السابق، كانت المعضلة ثنائية واضحة: إذا مدحت اتُّهمت، وإذا انتقدت اتُّهمت. أما اليوم، فقد ينجو الكاتب من هذه الثنائية، لكنه يقع في مشكلة أخرى إذا اكتفى بتقديم السعودية من خلال صورة واحدة.
فالاختزال يمكن أن يكون منحازًا حتى عندما يبدو محايدًا.
ربما كان خوفي من توزيع الكتاب في ذلك الوقت مفهومًا في سياقه. لكنني اليوم أرى أن السؤال لم يعد: كيف أتجنب أن أُتهم بالمديح أو النقد؟
بل سؤال أكثر مهنية:
هل استطعت أن أقدم للقارئ صورة لا تختزل السعودية في رواية واحدة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الإعلام يكون قد تجاوز جزءًا مهمًا من مأزقه القديم. لم يعد المطلوب منه أن يكون مجرد ناقل للرسائل، بل قارئًا لها، ومفسرًا، وواضعًا لها في سياقها.
أما إذا ظل يختار من السعودية ما يوافق الصورة التي جاء بها مسبقًا، فربما نكون قد تجاوزنا مشكلة نقص المعلومات، لكننا لم نتجاوز بعد مشكلة الفهم.