عقيل وساف
تقف منطقة الشرق الأوسط عند لحظة إستراتيجية شديدة الحساسية، تعاد فيها صياغة موازين القوة وترسيم حدود النفوذ عبر سلوك سياسي يعتمد على إستراتيجية عض الأصابع ورهان الوقت، بدلا من الذهاب نحو مواجهات عسكرية شاملة أو تسويات دبلوماسية ناجزة. إن القراءة المتأنية لطبيعة التطورات الراهنة تكشف عن تعقيد يتجاوز حدود الثنائيات التقليدية، ليتحول إلى شبكة معقدة من الرسائل المتبادلة بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين على امتداد الساحات المشتعلة، في محاولة من كل طرف لتثبيت أوراق قوته وحجز موقع متقدم في رسم الخارطة القادمة.
في صلب هذا المشهد، يتجلى انعدام العجلة لدى كل من واشنطن وطهران في حسم الصراع المباشر بينهما؛ إذ تعتمد الإدارة الأمريكية على خيار التضييق الاقتصادي المستمر وتفعيل سلاح العقوبات الصارمة لإنهاك الخصم، بالتوازي مع تمرير تسريبات وشائعات حول فتح قنوات اتصال خلفية ومفاوضات غير معلنة. وتهدف واشنطن من هذا التكتيك إلى إرباك المشهد السياسي الداخلي والإقليمي للخصم، وإرسال رسائل توحي بقدرتها على اختراق دوائر القرار. وفي المقابل، تتعاطى طهران بحذر شديد مع هذه المناورات عبر نفي وجود أي تفاوض خارج الأطر الرسمية، معتبرة أن هذه الادعاءات تعكس عجزا عن حسم الصراع، ومتمسكة بالمذكرات الاتفاقية السابقة والشروط المعلنة كمدخل أساسي لأي تهدئة أو إنهاء للحرب.
غير أن حالة الجمود التكتيكي على الخط المباشر بين الطرفين لا تعني الاستقرار أو التهدئة، بل تترجم فورا إلى تسارع ميداني لافت وضغط متصاعد في ساحات المواجهة الثانوية. تبرز أولى هذه الساحات في التوافق الأمريكي - الإسرائيلي على فرض مسار أمني جديد يتطلب نزع سلاح حركة حماس وتجريد الفصائل من قدراتها العسكرية كشرط أساسي ومدخل إجباري لمعالجة أوضاع غزة وترتيب الملفات الإنسانية والسياسية للقطاع، وهو ما يقابل برفض ميداني وسياسي يرفض الانصياع لمنطق الإملاءات وفرض شروط الاستسلام.
أما في الجبهة البحرية، فتواصل الجماعات المسلحة في اليمن إطلاق الصواريخ والمسيرات الاستباقية في منطقة باب المندب والبحر الأحمر. وتأتي هذه التحركات كخطوة تهدف إلى حماية نفوذها الإستراتيجي، وتأكيد حضورها الفاعل في التحكم بالممرات المائية الحيوية، ورسم خطوط حمراء تمنع أي محاولات دولية أو إقليمية لتحييد دورها أو تقليص حضورها في معركة التجارة والملاحة الدولية.
وعلى الجانب الآخر، تشهد الساحة العراقية تصاعدا لافتا في استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف مقار سيادية ومواقع حيوية في إقليم كردستان. وتعبر هذه الضربات عن حجم الصراع المحتدم على فرض واقع أمني جديد، ومحاولة قطع الطريق أمام استخدام الإقليم كنقطة انطلاق لأي حراك مضاد أو مركز نفوذ لجهات أجنبية، مما يعكس تداخل الملفات الإقليمية وضغوطها المباشرة على الأوضاع الداخلية للدول المجاورة.
وسط هذا الغليان المتفرق وتداخل الجبهات، تظل المبادرات الإقليمية المفتوحة، وعلى رأسها المبادرة الباكستانية الساعية لتأمين حركة الملاحة وفتح مضيق هرمز، معلقة دون حسم. وتصطدم هذه الجهود الدبلوماسية بتساؤل جوهري وحاسم يتعلق بالمدى الزمني الذي يحتاجه الطرفان للاقتناع بانسداد أفق الحسم العسكري، والتخلي عن أوهام فرض الشروط القاسية، ومن ثم العودة إلى دبلوماسية التفاهمات الجدية التي تضمن حدا أدنى من الاستقرار.
إن القراءة المنصفة لمعطيات المشهد تؤكد أن استمرار سياسة إدارة الأزمات والرهان على عامل الوقت وإنهاك الخصم لن يؤديا إلا إلى إبقاء المنطقة على كف عفريت. إن تحويل الساحات الإقليمية إلى ميادين لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل الأمنية يزيد من هشاشة البيئة الإقليمية ويضاعف من المخاطر الشاملة التي تهدد الملاحة والاقتصاد العالمي. إن بناء استقرار دائم يتطلب الانتقال من المناورات الميدانية والضغوط الاقتصادية إلى معالجة جذور الأزمات، عبر أطر مؤسسية واضحة تحترم سيادة الدول وتضع حدا للاستنزاف المستمر لمقدرات الشعوب.
وفي هذا الإطار، يبرز البعد الاقتصادي كمحرك لا يمكن تغافله؛ إذ إن تدهور الأوضاع المالية وتراجع معدلات النمو في عديد من دول المنطقة يفرضان ضغوطا إضافية على صناع القرار. لم تعد الشعوب قادرة على تحمل تكاليف الصراعات الممتدة، وأصبح ربط الأمن بالاستقرار الاقتصادي والتنموي خيارا لا مفر منه. إن الممر الآمن للتجارة العالمية وتأمين منابع الطاقة يتطلبان بيئة سياسية مستقرة تتجاوز لغة التهديدات العسكرية نحو شراكات اقتصادية حقيقية تعزز المصالح المتبادلة وتخفف من حدة الاستقطاب.
علاوة على ذلك، فإن تراجع أدوار الوساطات التقليدية وغياب منظومة أمنية إقليمية شاملة يتركان الباب مفتوحا أمام الاجتهادات المنفردة والتصعيد غير المحسوب. إن أي خطأ في تقدير الموقف في باب المندب، أو مضيق هرمز، أو على الساحة العراقية والسطح الفلسطيني، قد يؤدي إلى اشتعال مواجهة واسعة تتجاوز حدود السيطرة والتحكم، وتجبر كافة الأطراف على الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا يطلبها أحد ولكن الجميع يسهم في التمهيد لها عبر سياسة التصعيد التدريجي.
ختاما، إن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما الذهاب نحو التعنت والرهان على الخيارات العسكرية والضغوط الاقتصادية التي أثبتت عقمها عبر الأعوام، أو التحلي بالواقعية السياسية والجلوس إلى طاولة المفاوضات بإنصاف يضمن حقوق جميع الأطراف. إن مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط ينبغي ألا يظل مرهونا بالحسابات التكتيكية الضيقة، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية تدرك أن السلم والتنمية هما الضمانة الوحيدة لأمن الشعوب واستدامة الدول.