باسم سلامة القليطي
ليست كل المسابقات التي تجمع الناس حولها مجرد منافسات تُقاس نتائجها بألقاب الفائزين وحسب؛ فبعضها يحمل في جوهره رسالة أعمق تتجاوز حدود المنصات والجوائز. وهذا ما تتجلى أبعاده في مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره، التي تعود في دورتها السادسة والأربعين لتجمع في رحاب المسجد الحرام 334 متسابقاً ومتسابقة يمثلون 133 دولة. وجوه جاءت من قارات شتى، وألسنة تنطق بلغات متعددة، لكنها التقت في مكة المكرمة على كتاب واحد. وتكتمل الدورة الحالية ببُعد تاريخي غير مسبوق، يتمثل في مشاركة الإناث لأول مرة، بـ132 متسابقة إلى جانب 202 من المتسابقين، لتتسع دائرة التنافس، وتكتمل صورة العناية بالقرآن الكريم وأهله.
إن هذا المحفل الدولي يعكس أن خدمة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية ليست نشاطاً عابراً أو مناسبة موسمية، بل نهج دولة راسخ يمتد بجذوره إلى عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، ويستمر اليوم بدعم ورعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
ولعل أبلغ ما يكشف امتداد هذه العناية أن أثرها يصل إلى أطراف الأرض؛ إذ تستقبل مكة أبناء القارات الخمس في محفل واحد، يجمعهم كتاب الله تعالى، ويجعل من السعودية منارة عالمية في رعاية القرآن الكريم وحفظته ونشر رسالته. ولم تكن المحافظة على أصالة هذه المسابقة عائقاً أمام تطورها؛ إذ شهدت السنوات الثماني الماضية جهوداً واضحة في التنظيم والرعاية والتطوير. فقد ارتفع عدد الفائزين المكرمين من 12 إلى 50 فائزاً وفائزة، وارتفعت القيمة الإجمالية للجوائز من مليون ومئة وخمسة وأربعين ألف ريال إلى عشرة ملايين ومئتين وستين ألف ريال في هذه الدورة.
ويُضاف إلى ذلك تخصيص مكافأة قدرها خمسة آلاف ريال لكل مشارك ومشاركة، بإجمالي مليون وخمسمائة ألف ريال، تقديراً لمشاركتهم وتشجيعاً لهم على مواصلة العناية بكتاب الله تعالى. وهنا تتجاوز قيمة التكريم منصة الفائزين؛ فكل من جاء إلى مكة حاملاً القرآن الكريم يجد في هذا التكريم تقديراً لمشاركته واحتفاءً بجهده في خدمة كتاب الله تعالى. وتتجسد قيمة هذه المنصة العالمية حين نطل منها على القصص الإنسانية المُلهمة؛ كقصة الفتى البوروندي البالغ خمسة عشر عاماً، الذي أسلم قبل عام واحد، ثم استطاع خلال خمسة أشهر فقط أن يحفظ القرآن الكريم كاملاً، ويصل إلى مكة ليشارك في هذا الجمع المبارك. لا تكمن أهمية القصة في سرعة الحفظ وحدها، وإنما في المسافة التي قطعها صاحبها من بداية إسلامه إلى الوقوف حافظاً لكتاب الله تعالى في رحاب المسجد الحرام.
إنها صورة بليغة لعالمية القرآن الكريم، وقدرته على الوصول إلى الإنسان أياً كان موطنه ولغته، كما أنها تكشف جانباً من الأثر الذي تصنعه المبادرات التي تفتح لأبناء العالم الإسلامي أبواب اللقاء بكتاب الله تعالى وأهله.
ولا تتوقف حكايات القرآن الكريم عند من حفظه، بل تمتد أحياناً إلى من يأتي بعده. ففي غامبيا، شارك والد إحدى المتسابقات في مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية عام 1983، ثم عاد بعد ثلاثة وأربعين عاماً إلى مكة برفقة ابنته، وهي تخوض المسابقة نفسها عام 2026؛ كأن الذكرى التي بدأت معه بالأمس وجدت في ابنته حياة جديدة اليوم.
ومن الكاميرون، يأتي عمر داوود حاملاً إرث والده الذي شارك في المسابقة قبل أربعة عقود، ليواصل الابن المسيرة من حيث توقّف الأب. قصص تبدو في ظاهرها متفرقة، لكنها تلتقي عند معنى واحد: أن القرآن الكريم لا يسكن صدور الأفراد وحدهم، بل يسري أثره في البيوت، وينتقل من الآباء إلى الأبناء، حتى تصبح المسابقة نفسها ذاكرةً تتوارثها الأجيال.
وفي مكة المكرمة، حيث نزل الوحي، لا تقتصر تجربة المشاركين والمشاركات على المنافسة في الحفظ والتلاوة والتفسير؛ فقد امتد البرنامج المُصاحب للمسابقة إلى الجانب الثقافي، ومن ذلك زيارتهم متحف برج الساعة بجوار المسجد الحرام، ليطلعوا على جانب من تاريخ المكان ومعالمه. وهذه التفاصيل تكشف اتساع مفهوم الرعاية؛ فالقادمون من أنحاء العالم لا يُستقبلون بوصفهم متنافسين فحسب، بل ضيوفاً تُهيأ لهم تجربة متكاملة تجمع بين القرآن الكريم، والمكان، والثقافة، وحُسن الوفادة.
هنا تتجاوز المسابقة حدود المنافسة، لتصبح جسراً يصل مكة بالعالم، وتجسيداً حياً لعناية السعودية بكتاب الله تعالى وأهله. ومن رحاب المسجد الحرام تبدأ الحكاية، لكن أثرها لا ينتهي عند أبواب مكة؛ فكل حافظ يعود إلى بلده حاملاً معه أثر هذه العناية، وذكرى هذه التجربة، ورسالةً تقول إن خدمة كتاب الله تعالى في السعودية ليست مناسبة عابرة، بل رسالة ممتدة إلى العالم.