مرفت بخاري
أحيانًا لا يكون أصعب ما في العلاقات أن نعرف من نحب، وإنما أن نعرف من يحتاجنا الآن، فالحب لا يوزع أدواره وفق جدول، ولا يطرق باب القلب مستأذنًا قبل أن تتزاحم عليه الواجبات، قد يرن هاتفك في اللحظة التي تكون فيها في طريقك إلى موعد وعدت به، وقد يستوقفك احتياج شخص لم يكن في حسابات يومك، فتجد نفسك أمام قرار صغير في ظاهره، لكنه يكشف شيئًا كبيرًا عن فهمك للعلاقات والحقوق.
استوقفتني مؤخرًا فكرة طرحتها الدكتورة والمستشارة الأسرية صابرين الصافي عبر حسابها في سناب شات، حين فرّقت بين أهمية العلاقات وأولويتها، وضربت مثالًا واضحًا، زوجتك في مخاض الولادة، وأنت في طريقك للوفاء بوعد قطعته لأخيك بأن تستقبله من المطار، في تلك اللحظة لن تحتاج إلى أن تسأل نفسك من تحب أكثر، وإنما من تكون له الأولوية الآن، ستعتذر لأخيك وتتجه إلى زوجتك، دون أن يعني ذلك أن أخاك أصبح أقل أهمية في حياتك.
ومن هذه المفارقة بدأت أفكر في شيء أكبر من المثال نفسه، لماذا نخلط دائمًا بين المكانة والأولوية، ولماذا نتعامل مع تقديم شخص في موقف عابر وكأنه إعلان عن ترتيبه في القلب، والأهم، ماذا يحدث حين لا تكون المسألة مجرد اختيار بين شخصين، بل حين يكون أحدهما قد فعل، والآخر لم يفعل سوى أن رد على ما وقع عليه؟
الأولوية ليست مقياسًا للحب، وهذه أول قاعدة ينبغي أن نتعلمها قبل أن ندخل في متاهة العلاقات، فقد يكون الإنسان عزيزًا علينا إلى درجة لا ينافسه فيها أحد، ثم يأتي ظرف يجعل شخصًا آخر أحق بحضورنا ووقتنا في تلك اللحظة، دون أن يعني ذلك أن الأول أصبح أقل مكانة، فالأم قد تكون في مكان لا ينازعها فيه أحد، والزوجة كذلك، والأبناء كذلك، لكن الحياة لا تمنحنا القدرة على أن نكون في مكانين في اللحظة نفسها.
حين تتزاحم الحقوق لا ينبغي أن يتحول القرار إلى مسابقة حب، لأن السؤال الصحيح ليس من أحب أكثر، وإنما من يحتاجني الآن، وما الحاجة التي لا تحتمل التأجيل، وأين سيكون الضرر أكبر إذا غبت، وهل تقع عليّ مسؤولية مباشرة، وهل هناك من يستطيع أن يقوم بدوري، وهل أستطيع أن أجمع بين الأمرين بدل أن أضع نفسي أمام اختيار لا ضرورة له، فالأولوية العادلة لا تبدأ من الأشخاص، وإنما من طبيعة الموقف.
ولهذا فإن الأولوية ليست رتبة ثابتة للأشخاص، وليست تاجًا يستقر فوق رأس علاقة إلى الأبد، إنها قرار يتغير بتغير الظروف، فقد يكون الأب أولوية في موقف، والطفل في موقف آخر، والزوجة في موقف ثالث، وقد يكون العمل أولوية في لحظة لا يمكن فيها ترك مسؤولية قائمة، وقد تكون الذات أولى عندما يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها استمرار العطاء على حساب نفسه نوعًا من الاستنزاف، وليس في ذلك تقليل من أحد، وإنما اعتراف بأن لكل ظرف ميزانه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اعتياد الأولوية إلى اعتقاد بالاستحقاق الدائم، فهناك من اعتاد أن يكون أول من نلبيه، وأول من نعتذر له، وأول من نضع احتياجاته في حساباتنا، حتى أصبح أي تغيير في الترتيب بالنسبة إليه إهانة أو تخليًا أو دليلًا على تراجع المحبة، بينما الحقيقة أن الاعتياد لا يصنع حقًا مطلقًا، ومن كان أولوية بالأمس قد لا يكون أولوية اليوم، دون أن تتغير مكانته في القلب.
والأصعب من ذلك أن بعض العلاقات لا تكتفي بطلب الأولوية، وإنما تريد أن تحدد للآخر من يجب أن يضع أولًا، وكأن المحبة تمنح صاحبها حق إدارة وقت الإنسان وطاقته وقراراته، وهنا يجب أن نفرق بين الحق في العلاقة والحق في التحكم، فكون الإنسان أمًا أو أبًا أو زوجًا أو أخًا أو ابنًا يمنحه حقوقًا حقيقية، لكنه لا يمنحه ملكية الآخر، ولا يسقط حق الإنسان في أن يختار ويعتذر ويرفض ويضع حدودًا عندما تتعارض المطالب أو تتجاوز قدرته.
ومن هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في هذه المسألة، وهو الإنسان الذي لا يبدأ الفعل، وإنما يجد نفسه مضطرًا إلى ردة فعل، هذا الإنسان كثيرًا ما يحاكم على آخر ما فعله، بينما يُنسى أول ما وقع عليه، نراه ينسحب فنقول تغير، نراه يرفض فنقول قاس، نراه يغضب فنقول عصبي، نراه يتوقف عن العطاء فنقول أناني، ثم نغلق القصة عند هذه النقطة، دون أن نسأل السؤال الذي قد يغير الحكم كله، ماذا حدث قبل أن يصل إلى هنا؟
إنصاف الإنسان لا يعني تبرير كل ما يصدر عنه، وهذه نقطة لا ينبغي أن تضيع وسط التعاطف، فقد يكون غضبه مفهومًا، لكن طريقته في التعبير عنه خاطئة، وقد يكون انسحابه حقًا مشروعًا، لكن إيذاءه للآخر أثناء الانسحاب ليس حقًا، وقد يكون قد تعرض للضغط طويلًا، لكن ذلك لا يمنحه رخصة ليصبح هو مصدر أذى جديد، لذلك علينا أن نفصل بين مشروعية الشعور، ومشروعية الحق، ومشروعية السلوك.
قد يكون من حقك أن تغضب، وليس من حقك أن تؤذي، وقد يكون من حقك أن ترفض، وليس من حقك أن تهين، وقد يكون من حقك أن تنسحب من علاقة تستنزفك، وليس من حقك أن تحول انسحابك إلى وسيلة انتقام، وهنا يظهر الفارق بين الحد والانتقام، فالحد يقول، لن أسمح باستمرار الأذى، أما الانتقام فيقول، سأجعلك تتألم لأنك آلمتني، وقد يتشابهان في شكلهما الخارجي، لكنهما يختلفان في الغاية.
ولهذا فإن الحكم العادل على ردة الفعل يحتاج إلى العودة إلى بداية القصة، من بدأ الفعل، وهل كان عابرًا أم متكررًا، وهل حاول الطرف المتضرر أن يتحدث، وهل طلب التغيير، وهل أعطي فرصة، وهل استمر الضرر، ثم بعد ذلك ننظر إلى ردة فعله، هل كانت متناسبة مع ما وقع عليه، أم أنها تجاوزت الدفاع عن الحق إلى صناعة أذى جديد، فالسياق يفسر ردة الفعل، لكن التناسب هو الذي يحكم عليها.
وهنا لا بد أن نتوقف عند وهم شائع في العلاقات، أن الإنسان إذا كان يحبك فعليه أن يجعلك أولوية دائمًا، وهذا غير صحيح، فالإنسان قد يحبك ولا يستطيع أن يكون متاحًا لك دائمًا، وقد يعتذر منك لأنه اختار ظرفًا أكثر إلحاحًا، وقد يرفض طلبك لأنه استنفد قدرته، وقد يضع حدًا لعلاقة مع بقائه محتفظًا بمشاعر صادقة تجاهك، فالحب لا يلغي المسؤوليات الأخرى، ولا يلغي حق الإنسان في نفسه.
وربما آن لنا أن نتوقف عن تعليم الناس من يحبون أولًا، وأن نبدأ بتعليمهم كيف يزنون المواقف، فإذا تعارض حقان، نسأل أولًا هل يمكن الجمع بينهما، فإن أمكن فلا حاجة إلى صناعة خصومة، وإن تعذر الجمع نسأل عن شدة الحاجة، والاستعجال، وحجم الضرر، والمسؤولية المباشرة، ووجود البديل، وقابلية التعويض، ثم نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر نزاهة، هل قراري مبني على العدل، أم على المحاباة، أم على الخوف من غضب أحدهم.
وفي المقابل، إذا وجدنا أنفسنا أمام ردة فعل من شخص نحبه، فلا ينبغي أن نبدأ من آخر المشهد، بل نعود خطوة إلى الوراء، ماذا حدث قبله، كم مرة تكرر، هل كان هناك إنذار، هل كان هناك طلب للتغيير، وهل منحنا الطرف الآخر فرصة حقيقية، ثم نحكم على ما فعله، لا دفاعًا أعمى عنه، ولا إدانة سريعة له.
فالإنسان لا ينبغي أن يكون متهمًا لمجرد أنه وصل إلى مرحلة قال فيها كفى، كما لا ينبغي أن يكون بريئًا من كل خطأ لمجرد أنه سبق أن تأذى، والعدل أن نعطي كل طرف حقه، حق من بدأ الفعل في أن يتحمل مسؤوليته، وحق من تلقى الفعل في أن يشعر ويتألم ويضع حدًا، وحق الجميع في ألا يتحول دفاع أحدهم عن نفسه إلى ظلم للآخر.
ربما كانت المشكلة في علاقاتنا أننا نرى الأدوار ولا نرى الإنسان، نرى الأم وننسى أنها تتعب، ونرى الزوجة وننسى أنها تحتاج، ونرى الأب وننسى أنه قد ينهار، ونرى الابن وننسى أنه قد يحمل فوق طاقته، ونرى من يرد علينا ولا نرى ما الذي دفعه إلى الرد، ثم نطالب الجميع بالصبر والتنازل والاحتواء، دون أن نسأل إن كان ما نطلبه منهم عدلًا أصلًا.
الأولوية ليست أن تقول لمن حولك، أنت أهم من الجميع، وإنما أن تعرف متى تكون حاجته أحق، ومتى يكون حق غيره أحق، ومتى يكون حقك أنت حاضرًا في المعادلة، وردة الفعل ليست شهادة براءة، لكنها أيضًا ليست شهادة إدانة، فهي نتيجة تحتاج إلى قراءة ما سبقها.
لذلك، حين نختلف مع إنسان بسبب موقف أو قرار أو انسحاب أو رفض، ربما علينا قبل أن نسأله، لماذا فعلت ذلك، أن نسأل أنفسنا، ماذا فعلنا نحن قبل أن يفعله، فربما لا تكون العدالة في أن نبحث عن مذنب في آخر المشهد، وإنما في أن نقرأ القصة كاملة، لأن بعض الأحكام التي نطلقها على الآخرين ليست إلا أحكامًا على صفحة أخيرة من كتاب لم نقرأه.